الخبير الاقتصادي وليد جاب الله في دراسة عن المشروعات القومية

0

 

كتب فرحات غنيم

من أين تبدأ عملية التنمية؟ ذلك التساؤل الذي اجتهد الاقتصاديين في إجابته عبر العديد من نظريات التنمية التي تستهدف الانتقال بالمجتمع من جمود التخلف إلى آفاق التقدم الاقتصادي والاجتماعي. وفي سبيل ذلك ذهب البعض إلى أن البداية لابد أن تكون من تبني استراتيجية لبناء صناعات ثقيلة، وذهب البعض الآخر إلى أن الأفضل هو البداية من استهداف بناء للصناعات الخفيفة، وذهب آخرون أن الطريق يكون من خلال بناء صناعات لمنتجات تحل محل الواردات، ونجد فريق آخر يدعوا لبناء صناعات من أجل التصدير، وهناك من يرى أن دعم القطاع الزراعي لتحيق الاكتفاء الذاتي من الطعام هو الأولى، والعديد من الاجتهادات الأخرى التي يُمكن أن تناسب دولة ما ولا تناسب أخرى، وربما تناسب زمناً ما ولا تناسب زمناً آخر. والقاسم المُشترك بين كل تلك النظريات أنه لكي تبدأ الدولة في عملية التنمية لابد أن تمتلك القدرة على ضخ تمويل ضخم لبناء مشروعات تحقق طفرة كبيرة تكسر دائرة التردي الاقتصادي المغلقة، ومن هنا كانت حتمية تنفيذ مصر لبرنامج الإصلاح الاقتصادي (2016/2019) والذي استهدف بالأساس إعادة هيكلة مالية الدولة، وتعزيز قدراتها التمويلية من خلال إجراءات مثل تحرير سعر الصرف، وتحرير أسعار الوقود، وإعادة تصميم برامج الدعم والمساندة للفئات الأولى بالرعاية، وزيادة حجم الاستثمارات الحكومية وغيرها من الإجراءات التي تعزز من الثقة الدولية والمحلية في قدرات الدولة المالية وإمكانية وفائها بالتزاماتها، وهو ما تحقق بصورة تدريجية منذ بداية برنامج الإصلاح في نوفمبر 2016، حيث عاصر بدية هذا البرنامج تصدي الدولة لبناء مشروعات قومية في كافة القطاعات تكون قاطرة للتنمية تُشجع المُستثمرين بالداخل والخارج على ضخ مزيد من الاستثمارات بالسوق المصرية.

وبالنظر إلى المشروعات القومية التي نفذتها مصر نجد أنها جمعت بين كافة نظريات التنمية حيث يُمكن أن نرصد استهداف التوسع العمراني ببناء العديد من المدن والتجمعات السكانية الجديدة مثل العاصمة الإدارية الجديدة، والعلمين الجديدة، والجلالة، وامتدات الظهير الصحراوي بمدن الصعيد وغيرها من محاور التنمية العمرانية التي نجحت في خلق مئات الملايين من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة لعملة غالبيتها من البسطاء الذين ذهبت رواتبهم لتنشيط السوق من خلال شرائهم لاحتياجاتهم الأساسية التي في الغالب لا تعتمد على الاستيراد بصورة كبيرة، وهكذا تم خلق حلقة تنمية اقتصادية داخلية لا تعتمد بصورة كبيرة على المكون المستورد، وكان انتشار تلك المشروعات بصورة جغرافية عادلة لكافة أنحاء الجمهورية حيث تم إنشاء شبكة طرق تربط بين المدن القديمة والمدن الجديدة لتكون امتداداً لها تمتص منها الزيادة السكانية وتخلق بدائل جديدة للتلبية الحاجة في السكن للحد من تأكل الرقعة الزراعية

وهنا نجد اهتمام الدولة بالمشروعات القومية في المجال الزراعي حيث مشروع استصلاح مليون ونصف فدان في 14 موقع باعتماد أساسي على المياه الجوفية، ومشروع الدلتا الجديدة على مساحة نحو مليون فدان بجانبي محور الضبعة توفر نحو مليون فرصة عمل، ومشروعات المليون رأس ماشية، والصوبات الزراعية، والاستزراع السمكي التي ساهمت منتجاتها في السيطرة على تضخم أسعار الطاعم بالأسواق. ويعتبر المشروع القومي لتبطين الترع من أهم المشروعات القومية في القطاع الزراعي باعتباره يوفر نحو 5 مليار متر مكعب مياه ويفتح الباب لطرق زراعية أكثر تطوراً وإنتاجية تكون أساس لصناعات زراعية أكثر تطوراً.

ولتنمية القطاع الصناعي حرصت الدولة على سداد مُستحقات شركات الطاقة العالمية التي بلغت نحو 5,2 مليار دولار لدفعها للعودة للعمل، وهو ما حدث وكان من نتائجه اكتشاف حقل ظهر، وغيره من حقول المتوسط التي تم اكتشافها أو تطويرها لتعود للإنتاج، وتعود معها مصر كدولة مُصدرة للغاز وتتوافر لديها الطاقة الكافية للتوسع في الصناعات المتنوعة، وفي سبيل ذلك تم إنشاء العديد من محطات الطاقة العملاقة ومنها 3 محطات بالتعاون مع سمنز الألمانية، وأكبر محطة توليد كهرباء بالطاقة الشمسية في بنبان بأسوان، فضلاً عن مشروعات الكهرباء بالرياح، والبدء في إنشاء مفاعل الضبعة النووي لتوليد الكهرباء مما يدعم مخططات مصر لتكون مركز إقليمي للطاقة في المنطقة.

ومع توافر الطاقة استهدفت مصر التوسع في خلق المناطق الصناعية المتنوعة التي اختلفت حسب طبيعة كل منطقة، لنجد مدن صناعية متخصصة مثل مدينة الأثاث في دمياط، ومدينة الرويعي للجلود، ومدينة للذهب، وأخرى للدواء لنشر فكرة المدن الصناعية المتخصصة. وفي توجه آخر تم نشر تجمعات صناعية والتي بلغت نحو 17 تجمع صناعي بتكلفة نحو 10 مليار جنيه في مدينة بدر، والسادات، والمحلة الكبرى، وغرب جرجا، ومرغم بالإسكندرية، والبغدادي بالأقصر، وعرب العوامر بأسيوط، والجنينة والشباك بأسوان، وهو بقنا، وحوش عيسى بالبحيرة وغيرها.

والمشروعات القومية لو تقف عند القطاعات الاقتصادية، وإنما امتدت لقطاع التعليم الذي أقر فيه المشروع القومي لتطوير التعليم، والمشروعات القومية في مجال الصحة مثل مشروع التأمين الصحي لكل المصريين الذي يطبق على مراحل وطبق بالفعل في بورسعيد، والسويس، وجنوب سيناء، والأقصر، وأسوان، وجاري ضم بقية المحافظات تباعاً، وشاهدنا مشروع 100 مليون صحة الذي نجح في القضاء على انتشار فيروس C) ) وغيرها من المبادرات المتنوعة مثل القضاء على قوائم انتظار العمليات الجراحية، والاهتمام بصحة المرأة وغيرها.

وبالنظر للمشروعات القومية بصورة جغرافية نجد أنها انتشرت لكافة أنحاء الجمهورية بدون تمييز فلا تخلوا مدينه أو منطقة في الجمهورية من عمل ما مثل رصف طرق، أو إدخال غاز، أو صرف صحي، أو تلفونات، أو بناء مدرسة، أو مستشفى حسب طبيعة احتياج كل منطقة. وفي إطار التنمية المحلية كان للمشروع القومي لتنمية الصعيد دور كبير في تغيير الأوضاع المعيشية في محافظتي سوهاج وقنا، ثم سيمتد لباقي محافظات الصعيد، وفي سيناء تم ضخ أكثر من 600 مليار جنية لتطوير سيناء وربطها بالداخل المصري من خلال الأنفاق والمعديات الجديدة وشبكة الطرق المتطورة والتوسع في تقديم الخدمات ودعم البنية التحتية بالتجمعات السكنية لتحسين معيشة المواطن السيناوي، وتهيئة بيئة الاستثمار بسيناء في المجال الزراعي، والصناعي، والتعدين وغيرها من المجالات التي تجعل من سيناء بيئة جاذبة للسكان من الداخل لزيادة الكثافة السكانية وتعزيز التنمية بها مما ينعكس على الاقتصاد الكلي للدولة.

ويأتي مشروع حياة كريمة من أضخم المشروعات القومية التي تستهدف تغيير واقع الحياة للأفضل في القرى الأكثر فقراً والتي تتجاوز نسبة الفقر بها 50% حيث سيتم صخ ما يزيد عن 615 مليار جنية لتحقيق ذلك من خلال محاور متكاملة للتنمية تبحث احتياج كل قرية وما ينقصها لتغطيته لتتوافر في القرى المستهدفة كافة الخدمات الأساسية من مياه، وكهرباء، وغاز طبيعي، وصرف صحي، وتعليم، وصحة، ومشروعات صغيرة، وإسكان وغيرها. ويتم تنفيذ ذلك من خلال مقاولين وشركات محلية تقوم بتشغيل عمالة محلية لنكون أمام دائرة اقتصادية محلية جديدة.

والواقع هو أن المشروعات القومية المصرية كثيرة ومتنوعة على مستوى القطاعات الاقتصادية، والمناطق الجغرافية، بما يعبر عن تصميم الدولة المصرية على اتخاذ نموذج تنمية شامل ينعكس بصورة إيجابية وسريعة على المواطن ويشعر به، والمؤكد أنه لولا تداعيات فيروس كورونا لكانت النتائج أكبر من ذلك، ولكن يمكن أن نرصد تصميم الدولة على المضي نحو مزيد من الإصلاح والمشروعات بدعم ومن اقتصاد مصري صار أكثر صلابة بشهادة المؤسسات الدولية التي كلن لها دور كبير في المساهمة في تمويل كثير من المشروعات ثقة في قدرة الدولة المصرية واقتناعاً بمشروعاتها التنموية التي ستغير الواقع المصري من خلال مشروعات مدروسة في إطار استراتيجية محددة ومستهدفات واضحة لمصر 2030.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »