المحلل السياسي محمد كمال ومائة عام على إنشاء الحزب الشيوعى الصينى

0

كتبت أسماء هاشم
كتب المحلل السياسي الكبير البروفيسور محمد كمال مدير معهد الدراسات والبحوث العربية يحلل السياسة بخصائص صينية فيقول..
تحتفل الصين فى الشهر القادم (يوليو) بمرور مائة عام على إنشاء الحزب الشيوعى الصينى فى عام 1921، العديد من مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام الغربية استغلت هذه المناسبة لتقييم دور الحزب الذى يقود البلد، الذى أصبحت الولايات المتحدة تنظر إليه على أنه المنافس الرئيسى لها.

أما الحزب الشيوعى الصينى، صاحب الاحتفالية، فقد أصدر يوم الجمعة الماضى (25 يونيو)، وثيقة خاصة تحت عنوان «النظام الحزبى فى الصين: التعاون والتشاور»، استهدف منها ألا يترك الساحة للتحليلات الغربية فقط بشأن تقييم الحزب.

الوثيقة جديرة بالقراءة لأكثر من سبب، أولها يعود لأهمية الصين كدولة ونفوذها المتنامى، وأهمية فهم عملية صنع القرار بها، والتى يقودها الحزب الشيوعى. وثانيها أن النموذج الديمقراطى الغربى يمر بأزمة هذه الأيام، ويخضع لمراجعات عميقة حول الأسس التى يقوم عليها، ولم يعد ينظر إليه على أنه النموذج الوحيد أو الأفضل فى العالم. وقد يكون من المهم التعرف على التجارب الدولية الأخرى، على الأقل من باب الثقافة السياسية، والعلم بالشىء.

الوثيقة الصينية تنطلق مما يمكن أن نسميه فكرة «النسبية السياسية»، بمعنى أنه لا يوجد حقيقة مطلقة، وأن الحقيقة يتم اختبارها على الأرض، واستنادًا إلى النتائج التى تحققها. فى هذا الإطار تشير الوثيقة إلى أنه لا يوجد نظام حزب واحد يصلح لجميع البلدان، وأن النظام الصينى نبت فى الأرض الصينية وتطور مع الوقت على أساس التراث التاريخى والتقاليد الثقافية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بالصين. أى أن هناك «خصوصية صينية» لهذا النظام، وأن الصين لا تسعى لنشره أو التبشير به فى بلدان أخرى (كما تفعل الدول الغربية)، ويستخدم الصينيون دائمًا مقولة «لا نريد لغير الصينيين أن يصبحوا صينيين»، وكل دولة لها أن تطور نموذجها الخاص بها. وكما تتحدث الصين دائما عن أنها تطبق الاشتراكية «بخصائص صينية» فإن وثيقة النظام الحزبى فى الصين يمكن فهمها فى إطار «سياسة» بخصائص صينية.

الوثيقة تتحدث عن أن النظام الحزبى الصينى يسعى لتجنب عيوب النظم الحزبية التقليدية التى لا تمثل سوى فئة أو طبقة أو مجموعة واحدة تشترك فى المصلحة، فى حين يجسد النظام الصينى أكبر شريحة من الفئات الاجتماعية، ولا يقتصر على فئة واحدة، ورغم أن الأحزاب الشيوعية كانت تعبر تقليديًا عن الطبقة العاملة، ولكن الحزب الشيوعى الصينى لا يمثل طبقة أو فئة محددة. وأن هذا الأمر يساعد على بناء تآزر اجتماعى قوى، وتجميع الموارد لإكمال المهام الرئيسية لصالح الشعب، أى أن الحزب يلعب دورًا أساسيًا فى التعبئة لتحقيق الأهداف الكبرى التى تتبناها الدولة. وتؤكد الوثيقة أن هذا الأمر يرتبط بالثقافة الصينية التى تميل إلى التوافق، وتقدر التعايش المنسجم وتتطلع إلى الصالح العام.

تستخدم الوثيقة أيضًا تعبير «حوكمة الدولة الفعالة»، وتقصد به آلية صنع القرار داخل الحزب، والتى تستبدل المواجهة والخلافات (كما فى النظم السياسية التقليدية)، بالتعاون والتشاور والسعى إلى الوصول إلى أرضية مشتركة. وأن النظام الصينى يسعى إلى تجنب ما تسميه الوثيقة «الفيتوقراطية» أى إعاقة اتخاذ القرار، والحالات التى يكون فيها مداولات ونقاش ولكن لا يوجد قرار، أو حيث يتم تبنى قرار ولكن لا يتم تنفيذه. وتؤكد الوثيقة أن جوهر الديمقراطية هو حل مشاكل الناس، أو كما يقول المثل الصينى «ليس من المهم أن يكون القط أبيض أم أسود، المهم أن يصطاد الفأر».

وأخيرًا تختم الوثيقة بعبارات أن النظام الحزبى فى الصين يجسد جوهر التقاليد الصينية، ويتوافق مع واقع الصين واحتياجاتها فى الحكم وبناء دولة حديثة وتحقيق التجديد الوطنى للأمة. وأن هذا النظام هو نتيجة لعمليات تاريخية، وأنه نما ونضج خلال العقود السابقة. وتؤكد على أنه بالرغم من كون النظام الحزبى الصينى يمثل نموذجًا جديدًا للنظم السياسية فى العالم، فإن الصين سوف تستمر فى التعلم والاستفادة من التجارب الإيجابية للبلدان الأخرى، وأنها لن تقلد أنظمة الأحزاب السياسية الأخرى بشكل ميكانيكى، أو تفرض نظامها الخاص على أى دولة أخرى، وأنها تحترم حق الدول الأخرى فى اختيار النظام الحزبى الذى يتكيف بشكل أفضل مع واقعها.

ختامًا، يرجع العديد من المحللين الغربيين استمرارية الحزب الشيوعى الصينى لمائة عام إلى قدرته على التكيف والاستجابة،حتى لو لم تكن هناك مساءلة بالمعنى الغربى، أو كما يشير «بروس ديكسون»، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن الأمريكية فى كتابه الجديد بعنوان «الحزب والشعب: السياسة الصينية فى القرن الحادى والعشرين»، أنه طالما استمرت الدخول فى الارتفاع، وكان التعليم متاحًا بشكل أكبر، والرعاية الصحية أكثر توافرًا وبأسعار معقولة.. وطالما ظل الناس متفائلين بشأن المستقبل، فمن غير المرجح أن يكون هناك مشكلة للحزب، ولكن إذا تخلى المزيد والمزيد من الناس عن الأمل فستكون هذه مشكلة، ليس فقط للحزب ولكن للبلد ككل.

باختصار التجربة الصينية بتفاصيلها المختلفة جديرة بالمعرفة، والجدل الدولى حولها- بشقيه الإيجابى والنقدى- جدير بالمتابعة.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »