الموقف الروسي من سدالنهضة.. لا حل عسكري

0

 

كتب. فرحات غنيم

كشفت دراسة أعدها مركز الدراسات العربية الأوراسية، حول موقف روسيا من أزمة سد النهضة، أن موسكو لا تفضِّل اللجوء لوساطة غير مقبولة من كلا الطرفين، ولذلك اتخذت موقفًا يبدو حياديًّا تجاه الأزمة، حتى لا تفقد فرصتها في القيام بدور بنَّاء أو التشكيك في مواقفها، كما حدث تجاه الوساطة الأمريكية.

 

وكشفت المركز البحثي المتخصص في الشأن الروسي والذي يرأسه الإعلامي الدكتور عمرو عبدالحميد، أن الموقف الروسي المعلن، وآراء الخبراء الروس، يرون ألا حل عسكريًّا لهذا الخلاف، وأن الأفضل لمصر التمسك بالقانون الدولي، وذلك لأنه في صالحها، بينما اللجوء للقوة قد يمنح إثيوبيا، الفرصة لتعبئة شعبية في ظل أزمة داخلية يعيشها النظام في أديس أبابا، ويوفر لها كذلك كافة المبررات للتملص من الالتزامات القانونية.

 

وأشارت الدراسة، أن موسكو تعتقد أن العمل على حل الخلاف من خلال الهيئات الإقليمية، وفي هذه الحالة الاتحاد الإفريقي، الوسيلة المثالية لكلا الطرفين كما أن هذا الموقف يتسق مع دعوة موسكو، لعالم متعدد الأقطاب، تدير فيه كل منطقة شؤونها عبر هيئاتها الإقليمية الخاصة بعيدًا عن تأثيرات القوى الخارجية.

 

ويعتمد الموقف الروسي على عدة أسس في تعاطيه مع هذه الأزمة، حيث كدت موسكو في كافة المناسبات، وآخرها في زيارة وزير الخارجية سيرغي لاڤروڤ، الأخيرة لمصر في شهر إبريل على حق إثيوبيا في التمتع بمواردها المائية وتنميتها بما لا يضر بمصالح دولتي المصب، وهو ما يتفق مع الموقف المصري-السوداني.

 

وتعرض موسكو وساطتها في الإطار التقني والفني، وذلك لخبرتها الكبيرة في بناء السدود، وقيامها ببناء السد العالي في مصر، وعدة سدود في إثيوبيا وبالتالي معرفتها العميقة بنهر النيل، والآثار السلبية المحتملة على دولتي المصب مصر والسودان. شريطة أن يقبل كلا الطرفين هذه الوساطة، وأن تقتصر على الجانب التقني، بينما الجوانب التفاوضية الأخرى يتولى الاتحاد الإفريقي القيام بها.

 

ويمكن القول -وفقا للمركز البحثي- إن روسيا هي أكثر بلد في العالم لديه دراية وتأثير ممتد حتى الآن على إثيوبيا، فغالبية تسليح وعقيدة الجيش الإثيوبي القتالية روسية رغم علاقة أديس أبابا المميزة مع الغرب منذ العام 1992. كما أن قادة الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية، وهو ائتلاف من عدة أحزاب بزعامة جبهة تحرير شعب التغراي، حكمت إثيوبيا منذ عام 1991، حتى حل محلها حزب الازدهار، عام 2019. تلقوا تعليمهم في الاتحاد السوڤيتي، ونقلوا التجربة السوڤيتية البلشفية بالحكم الفيدرالي لإثيوبيا، وعبرها توقفت الحرب الأهلية التي امتدت لعدة عقود. أي أن إثيوبيا الحالية تكوين سياسي وعسكري روسي إلى حدٍّ كبير، وإن كان رئيس الوزراء الحالي أبي أحمد، يسعى لتغيير ذلك.

 

وقد عُقدت في موسكو، دائرة مستديرة ضمت نخبة من الخبراء الروس بالشؤون الإفريقية، لمناقشة أزمة سد النهضة، وضمت كلًّا من: أندريه غليبوڤيتش باكلانوڤ – رئيس رابطة الدبلوماسيين الروس، ورئيس قسم دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الجامعة الوطنية للبحوث المدرسة العليا للاقتصاد، ومساعد نائب رئيس مجلس الاتحاد الروسي، وڤلاديمير ڤلاديميروڤيتش بلياكوڤ – باحث أول في معهد الدراسات الشرقية، بجامعة موسكو الحكومية، وستانيسلاڤ ڤاسيليڤيتش ميزنتسيڤ – الملحق العسكري السوڤيتي السابق في إثيوبيا، والباحث الأول في معهد الدراسات الإفريقية، وأجمع الخبراء الثلاثة. على أن إثيوبيا في حالة نزاع داخلي، وأنها استغلت حالة الانشغال المصري نتيجة أحداث «الربيع العربي» للبدء في هذا المشروع ولولا ذلك كان من الصعب عليها اتخاذ هذه الخطوة الأحادية. أما فيما يخص التدخل العسكري، فقد حذروا من أن استخدم القوة سيخرج النظام الإثيوبي من مأزقه ويمنحه فرصة مثالية للتحلل من كافة التزاماته تجاه مصر والسودان، وكذلك ستتعاطف معه الدول الإفريقية والكثير من بلدان العالم، وهو ما يضعف موقف مصر أمام مجلس الأمن، حال تمت إحالة الأمر إليه للنظر فيه. كما أن موسكو، لا يمكنها في هذه الحالة أن تدعم المطالب المصرية المشروعة.

 

على جانب آخر يوجد تعاطف كبير وتفهم من النخب الروسية للموقف المصري، وصل لحد تشبيه الكاتب الروسي ميلوسلاڤ يانوبولسكي، مساعي إثيوبيا، لبناء السد دون الاتفاق مع مصر، بالسياسة العدوانية التي تمارسها الحكومة الأوكرانية تجاه سكان شبه جزيرة القرم عبر حرمانهم من حقهم في المياه، عبر بناء سدود تحجز وصولها إليهم.

 

ويمكن تلخيص الموقف الروسي، تجاه هذه الأزمة، بأنه لا ينحاز لصالح طرف على حساب الآخر، بدلًا من ذلك يضع القانون الدولي كمعيار وحكم بين الطرفين. فعليًا لا تملك موسكو، نفوذ سياسي يمكنها من حل هذه الأزمة بالطرق الدبلوماسية، تفضل مصر الوساطة الأمريكية، وإثيوبيا تحصرها في وساطة الاتحاد الإفريقي، ولروسيا مصالح هامة بين كلا البلدين، وتطمح في العودة للقارة الإفريقية ولمنطقة القرن الإفريقي على وجه الخصوص وإثيوبيا بلد هام لا يمكن تجاوزه حال أرادت أن يكون لها دور نشط بالمنطقة، وهناك العديد من المشاريع الواعدة التي تم الاتفاق عليها بين الطرفين بحسب السفير الروسي في أديس أبابا، يفغيني تيريخين. بدأت شركة روس آتوم، مفاوضات مع الحكومة الإثيوبية، لبناء محطة كهروذرية بجانب مشاريع في قطاع السكك الحديدة والزراعة، وإنشاء مركز للبحوث البيولوجية، وعليه من مصلحتها حل هذا الخلاف بالطرق السلمية وعدم خسارة كلا الطرفين.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »