مساعد وزير الخارجية المصري الاسبق.. مجلس الأمن لم يكن إخفاقا

0

كتب فرحات غنيم

رؤية مهمةللسفير سيد قاسم المصرى مساعد وزير الخارجية المصري الاسبق يقول فيها..

في مقاله المهم بجريدة الشروق يوم الأحد 11 يوليو، أشار الأستاذ عماد الدين حسين- رئيس التحرير- إلى الحقيقة المرة والمؤلمة وهي أننا لم نحقق ما كنا نتمناه في جلسة الأمن بشأن قضية سد النهضة الإثيوبي، وأشار إلى الدول التي خذلتنا وتساءل عن نجاح إثيوبيا في تسويق وجهة نظرها الخاطئة وإخفاقنا في إقناع العالم بوجهة نظرنا العادلة…

أمضيت ما يزيد عن الأربعين عاما في العمل في السلك الدبلوماسي وكان عملي قريبا جدا من الأمم المتحدة.. إما مباشرة في نيويورك أو إشرافا من القاهرة، وحضرت جلسات عديدة بمجلس الأمن.. والخلاصة التي خرجت بها أن الدول لا تقرر موقفها في قضية ما بمدى عدالة وجهة نظر أحد الأطراف أو خطئها.. بل بمدى المصلحة التي يحققها تبني موقف هذه الدولة أو تلك.. ثم بعد ذلك تستخدم المبادئ وتطوع مواد الميثاق لخدمة الموقف الذي اتخذته. وأؤكد أنه المعيار الوحيد الذي تسترشد به الدولة، أي دولة في تحديد مواقفها، فإذا طبق هذا المعيار على مواقف الدول في مجلس الأمن فإن السؤال هنا هو لماذا وجدت روسيا والصين أن إثيوبيا أقرب إلى مصالحهما من مصر.. إلى درجة أن روسيا لم تكتف بتأييد جميع عناصر الموقف الإثيوبي ولكنها حذرت من التهديد باستخدام القوة وبالطبع فليست إثيوبيا المقصودة بهذا التحذير، بل لم تكتف بذلك فقد أوفدت وفدا عسكريا إلى أديس أبابا حيث تم توقيع اتفاقية تعاون عسكري وصرحت مسئولة بوزارة الدفاع الإثيوبية أن دعم روسيا لإثيوبيا لا يقتصر على التعاون العسكري بل يشمل كافة المجالات بما فيها تأييد موقفها من إقليم تيجراي الذي اعتبرته روسيا شأنا داخليا ومساعدتها في التنمية وتأييدها لموقفها من سد النهضة ومساعدتها في إجراء الانتخابات الأخيرة.

وفضلا عن ذلك فقد استقبل وزير الخارجية الروسي سيرجي لافاروف وزير خارجية إثيوبيا قبل انعقاد مجلس الأمن بأسبوع وكانت الحفاوة واضحة والتصريحات أشد وضوحا في تأييد الموقف الإثيوبي فقد أشاد لافاروف بمواقف إثيوبيا فيما يخص النزاع في تيجراي والحدود مع السودان والنهج الدبلوماسي الذي تتمناه إثيوبيا تجاه جميع المشكلات وليس نهج التهديدات..

فما الذي جعل روسيا تتخلى عن مصر وتتجه إلى إثيوبيا؟.. لقد وجدت روسيا أن بوابتها لأفريقيا هي إثيوبيا، فهي الدولة التي تحظى بالنفوذ الأفريقي الأعظم والتي ينظر إليها الأفارقة كرمز لوحدتهم المنشودة، وقد اتفقت مع إثيوبيا على عقد القمة الروسية الإفريقية بأديس أبابا العام القادم فضلا عن أنها- على عكس مصر- لا تخضع للنفوذ الأمريكي.. وهذا عنصر هام جدا بالنسبة لروسيا وللصين أيضا في الظروف الراهنة. وفي هذا الإطار فهناك أمر أغضب روسيا جدا من مصر.. فعندما قامت الولايات المتحدة بمناورات عسكرية في إطار حلف الأطلنطي في مياه البحر الأسود وبالاشتراك مع أوكرانيا وبالقرب من الحدود الروسية الأمر الذي اعتبرته روسيا استفزازا غير مسبوق، فوجئت روسيا بإعلان مصر- وثلاث دول عربية أخرى هي الإمارات والمغرب وتونس- أنها ستشترك في هذه المناورات البحرية، بالرغم من أن روسيا طلبت من مصر صراحة ألا تشترك في هذه المناورات التي تعتبرها عملا عدائيا وتهديدا أمنيا لها، إلا أن مصر- وبعد تردد- اشتركت بالفعل في المناورات يوم 21 يونيو الماضي التي دامت لمدة 12 يوما… كان هذا كفيلا بقلب العلاقات مع روسيا رأسا على قدم… وبالنسبة للسودان أيضا فقد أصدر المجلس العسكري قرارا بإلغاء اتفاقية إنشاء القاعدة العسكرية الروسية على البحر الأحمر.. وكان ذلك بالنسبة لروسيا كافيا لاستبدال مصر والسودان بإثيوبيا التي تلقفت الفرصة الذهبية وفتحت لروسيا الأبواب على مصراعيها.

•••

ما الذي دعانا للذهاب إلى البحر الأسود للمشاركة في مناورات بحرية مع حلف الأطلسي وأوكرانيا لا ناقة لنا فيها ولا جمل سوى استفزاز روسيا… هناك مساحة للتحرك تسمح لنا بأن لا نستجيب لكل مطلب تطلبه مننا إحدى الدول الكبرى إذا كان يتعارض مع مصالحنا الحيوية.. نحن نشارك مع الولايات المتحدة ودول غربية وعربية في مناورات برية وبحرية في جوارنا الإقليمي وبحارنا التي نطل عليها وهذا أمر طبيعي ولكن أن نذهب إلى حدود روسيا دون سبب منطقي تبرره اعتبارات أمننا القومي، فإذا كنا نود أن تأخذ روسيا أمننا القومي في الاعتبار فكان علينا أيضا أن نأخذ أمنها القومي في الاعتبار خاصة وقد طلبت منا رسميا ذلك.

 

وبالنسبة للصين ذات الاستثمارات الكبيرة في إثيوبيا، فأنها لا ترى في تمدد روسيا في إثيوبيا منافسا لها بل مكملا. فهما يتفقان في الهدف الاستراتيجي الأكبر وهو التصدي لضغوط الولايات المتحدة والإجراءات العدائية التي تتخذها ضد الدولتين الكبيرتين

يطالب البعض بأن نقف وقفة مراجعة لعلاقاتنا مع الدول الأخرى ونعيد التقييم على أساس مبدأ “إما معنا أو ضدنا”، وهو مبدأ متعجرف قد تتحمل نتائجه الدول العظمى وإن كان لم يحقق لأمريكا أية منافع عندما تبناه جون فوستر دالاس وزير خارجيتها في الخمسينيات، وبالنسبة لنا فإن مبدأ “إما معنا وإما علينا” سيجعلنا نضطر- بغير داع- إلى الاختيار بين أمريكا وروسيا وبين أمريكا والصين وهكذا بالنسبة لباقي دول العالم من حيث أننا يمكننا أن نكسب الجميع بدرجات متفاوتة بين التأييد والحياد وعدم الغلو في المعارضة.

•••

لقد أفصحت جلسة مجلس الأمن عن نفوذ إثيوبي قوي في القارة الأفريقية تمثل في كلمات ممثل الاتحاد الأفريقي ومندوبي كينيا والنيجر بالمجلس وما تضمنته بياناتهما من كلمات مثل “الاستخدام المشروع من جانب إثيوبيا لمياه النيل” ومثل “أن هذا الموضوع لا يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين”..

ولعل الفائدة التي تحققت من هذه الجلسة أنها أوضحت بجلاء مواقف الدول الكبرى والصغرى من القضية بطريقة رسمية واضحة ومؤكدة بعيدا عن المواقف التي يشوبها الغموض المغلف بالمجاملات في المجال الثنائي، وأني على ثقة من قدرة دبلوماسيتنا العريقة- إذا أعطيت الفرصة للتحرك بحرية- من مواجهة الموقف بخطة Damage Control وإصلاح الأضرار التي لحقت بعلاقتنا بروسيا وتكثيف اتصالاتنا بالدول الإفريقية خاصة دول حوض النيل وتلك الأعضاء بمجلس الأمن وإتاحة فترة من الهدوء والتقاط الأنفاس بعيدا عن التهديدات والشوشرة الإعلامية. كما يجب التركيز على مطالبة الولايات المتحدة بألا تغفل مشروع الاتفاق الذي تم التوصل إليه في واشنطون، جنبا إلى جنب مع الاتفاق الإطاري لعام 2015 وإعلان عام 2020.

 

مساعد وزير الخارجية الأسبق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »