لماذا مخاوف مصر والسودان من سد النهضة.. وما ذا بعد مجلس الأمن !!

0

كتب: محمد أبو العباس

 قبل الخوض في المسارات التي قد تسلكها مفاوضات سد النهضة بعد قرار مجلس الأمن الأخير حول الموضوع، أريد هنا أن أعرج هنا على أسباب تخوف دولتي الممر “السودان” والمصب “مصر” من تبعات القرارت الأحادية التي تنتهجها حكومة أثيوبيا حول موضوع ملء سد النهضة.

أولا: مصر:-

يعتبر نهر النيل المصدر الرئيسي للمياه في مصر، إذ تبلغ حصتها منه 55.50 مليار متر مكعب عام 2019 / 2020 ()، وهو ما يمثل نسبة 79.3% من جملة الموارد المائية المائية المصرية، وهو في نفس الوقت يغطى نسبة 95% من الاحتياجات المائية الراهنة  لمصر().

وبناء على هذه المعطيات فهذا يعني أن أي عملية مساس بحصة مصر من نهر النيل ستشكل خطرا وجوديا على حياة ما يزيد على مئة مليون مواطن مصري، وفي هذا الصدد: أظهرت دراسة أجراها أستاذ زراعي في جامعة القاهرة أن مصر ستفقد 51 في المائة من أراضيها الزراعية إذا جرت تعبئة الخزان الأثيوبي خلال ثلاث سنوات، وأوضحت هذه الدراسة أن عملية التعبئة البطيئة (ست سنوات) ستكلف مصر 17 فى المائة فقط من أراضيها المزروعة().

وتحتاج زراعة مليون فدان من الأراضي إلى 5 مليار متر مكعب من المياه، واقتطاع الكمية ذاتها من حصة مصر السنوية من مياه النيل يعني إمكانية خسارة مليون فدان، بما يوازي خسارة دخل سنوي يقدر بـ3 إلى 4 مليار دولار، بحسب ما قاله أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ”الشرق()”.

ثانيا: السودان:-

تقدر حصة السودان من مياه النيل وفقا للاتفاقية الثنائية بين مصر والسودان سنة 1959 بـ 18.5 مليار مكعب، زائد 10 مليار مكعب تبخر Evapograph من السد العالي، وهي الاتفاقية السارية حتى الآن.

فمثل ما يدندن البعض حول أنه قد تكون هناك آثار جد إيجابية يعكسها السد النهضة على الحياة الاقتصادية في السودان، فإن هناك آثار سلبية كثيرة في حال عدم حصول اتفاق قانوني ملزم لملء السد وهذا ما تعيه القيادة السياسية في السودان، ويمكن إجماليا حصر هذه الآثار السلبية في النقاط التالية:

*  قضية سلامة السدود هي الشغل الشاغل للسودان، حيث سيؤدي انهيار سد بهذا الحجم الضخم مثل سد النهضة إلى أضرار مدمرة للأرواح (حوالى 20 مليون مواطن سودانى يقطنون على الشواطىء النهرية حياتهم معرضة للخطر) وكذلك الممتلكات والزراعة والخزانات السودانية …  لهذا السبب، يجب أن تكون جميع تدابير سلامة السدود أثناء مراحل ملء وتشغيل السد في مكانها الصحيح، وأن تكون فعالة، ومحدثة ومتابعة بعناية، ويجب أن تعمل خطط الاستعداد للطوارئ لسد النهضة والسدود السودانية بصورة منسقًة جيدًا وأن يتم الفحص والتحديث بإستمرار وبصورة مشتركة.

* تقليل مساحات الرى الفيضى وهناك ملايين المزارعين الذين يعتمدون فى حياتهم على الرى الفيض.

*  تقليل لأطماء كسماد طبيعى للأراض الزراعية.

* الآثار البيئية والاقتصادية والاجتماعية: وتشمل التأثيرات البيئية المتوقعة التي لم تتم دراستها بعد، مثل التغيير في جودة مياه األنهار والتغيرات الشكلية ومصايد الأسماك وغابات الفيضانات والقضايا الصحية().

وفي سياق متصل أعلنت وزارة الري والموارد المائية السودانية في 15 يوليو 2020 أن عملية الملء الأول لسد النهضة من خلال مقاييس تدفق المياه في محطة الديم الحدودية مع إثيوبيا أظهرت أن هناك تراجعا في مستويات المياه بما يعادل 90 مليون متر مكعب، وكذلك في نفس السياق حسب وزارة الري والموارد المائية السودانية في ترأسه لإحدى جلسات مجلس الوزراء، أكد حمدوك على رفض السودان للملء الأحادي لسد النهضة دون التوصل لاتفاق قانوني ملزم، مشيراً للتهديد المباشر الذي يُشكله الملء الأحادي لسد النهضة على تشغيل سد الروصيرص وعلى مشروعات الري ومنظومات توليد الطاقة والمواطنين على ضفتي النيل الأزرق().

وهنا أود التنبيه إلى نقطة مهمة أن السودان ومصر ليستا ضد ملء السد ولا فكرته من الأساس بل هما ضد عدم وجود صفة قانونية ملزمة تكون شاملة لكل التفاصيل الخاصة بالسد، مثل آلية الملء، وترتيبات الجفاف، وآلية التحكيم عند الخلافات، وهو ما لا تريده إثيوبيا؛ بل تريد تفاهماً على نقاط استرشادية يكون لها الحق في تعديلها في أي وقت، وهو ما تعتبره القاهرة، “تفاهماً بلا فائدة في حال عدول إثيوبيا عنه”، حسب ما يقول هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بـ”مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية” في القاهرة، في تصريحات لـ”الشرق”().

استقراء في كيف سيكون مسار التفاوض بعد اجتماع مجلس الأمن:

باقتراح من الشقيقة تونس اجتمع مجلس الأمن يوم 8 يوليو – أي خلال الأسبوع الماضي-  لمناقشة ملف سد النهضة من أجل الضغط للوصول إلى إبرام اتفاق ملزم بين إثيوبيا ومصر والسودان بشأن آلية تشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير لإنتاج الكهرباء في غضون 6 أشهر.

وكانت النتيجة أن اتفقت الدول الـ 15 الأعضاء بالمجلس على إعادة المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي بشكل مكثف؛ لتوقيع اتفاق قانوني ملزم يلبي احتياجات الدول الثلاث ويؤدي إلى تخفيف التصعيد الذي يؤثر مباشرة على المنطقة والقارة الأفريقية.

وبغض النظر عن مسوغات هذا القرار المزعومة وعن القوى التي ساهمت في سياقته داخل أروقة مجلس الأمن إلا أنه جاء متسقا وموافقا لمزاج إثيوبيا نظرا لمركزيتها في صنع القرار داخل الاتحاد الإفريقي، ولإمكانية تأثيرها عليه، وما لا يتنبه الكثير –دوما- أنه في ظل هذه المفاوضات والمماطلات الإثيوبية هو أن عملية ملء السد الثانية كانت قد بدأت منذ الإثنين الماضي الموافق يوم 05 يوليو، يعني أنه قبل الدخول في أي مفاوضات مقبلة  جديدة يجب على الاتحاد الإفريقي إعطاء أمر بوقف عملية الملء الثاني وإرغام الأطراف على الرجوع لطاولة التفاوض من جديد إذا كان فعلا سيكون جاداً هذه الأمر، ويمكننا أن نستشرف أن مسارات التفاوض مستقبلا التي ستكون متاحة بالنسة للطرفين المصري والسوداني لن تعدو إحدى مسارين رئيسين، وهما:

  • الرجوع إلى طاولة المفاوضات عبر الاتحاد الإفريقي بآليات مختلفة وبرؤية مختلفة خصوصا أن المفاوضات هذه المرة التي يشرف عليها الاتحاد الإفريقي هي بتوصية من مجلس الأمن، ولكن وقبل الدخول هذه المفاوضات يجب – كما أسلفت – على الأطراف أن تشترط على الاتحاد الإفريقي وعلى وجه السرعة أن توقف إثيوبيا عملية الملء الثاني.

  • الخيار العسكري وهو قد يكون خيارا استراتيجيا، خصوصا إذا كان من أجل الضغط على المجتمع الدولي من أجل خلق عملية تفاوض حقيقية، وهو خيار لن يكون متاحا إذا ما تمت عملية الملء الثانية التي بدأتها إثيوبيا قبل أسبوع تقريبا.

وأخيرا نود هنا أن نؤكد أننا لسنا بطبيعة الحال ضد نهضة إثيوبيا؛ بل ندعم ونشجع إقامة مشروع ضخم مثل سد النهضة – شريطة أن لا يسبب أضرارا لدول المصب- نظرا لما يترتب على بنائه من نهضة لأثيوبيا ولمنطقة حوض النيل؛ إذ أنه  من المرجح أن يولد السد 5 آلاف إلى 6 آلاف ميغاوات من الطاقة الكهربائية، مما سيساهم في إحداث نقلة اقتصادية عبر تصدير الطاقة للدول المجاورة، وكذلك لسنا مع الانقسامات والأزمات الداخلية التي تعصف بإثيوبيا، ولا مع الشامتين بها؛ بل أتمنى لها أن تظل متماسكة وقوية، لأنه من الصعب تعويض دولة مثل أثيوبيا في حال – لا قدر الله – انهارت، وكذلك الاتحاد الإفريقي ليس بحاجة إلى أزمة جديدة تحدث خصوصا في منطقة شرق إفريقيا، كل ما في الأمر أننا نرفض العنجهية السياسية التي تدير بها القيادة السياسية في أثيوبيا ملف سد النهضة.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »