أزمة بسبب نجل رئيس غينيا الاستوائية

0

كتب. فرحات غنيم

عادت غينيا الاستوائية إلى عناوين الصحف العالمية مرة أخرى بسبب الأزمة الدبلوماسية التي خلقتها قضايا تتعلق بنجل رئيس البلاد الذي كان مشهورًا بنمط حياته الفارهة وممتلكاته الباهظة في عدة دول غربية.

كان “تيودورو نغويما أوبيانغ مانغي” (أو “تيودورين” باختصار) معروفًا في أوروبا بـ “الابن المستهتر” لأطول رؤساء أفريقيا حُكمًا؛ إذ كان والده “تيودورو أوبيانغ نغويما مباسوغو” رئيس غينيا الاستوائية منذ عام 1979م. وقد شغل نجله “تيودورو نغويما” قبل عام 2012م منصب وزير الزراعة والغابات في حكومة والده, ثم عُيّن في مايو 2012م نائبًا ثانيًا للرئيس (والده)، وكان مسؤولًا عن الدفاع والأمن في غينيا الاستوائية. وفي يونيو 2016م تمت ترقيته إلى منصب النائب الأول للرئيس.

جذبت حسابات “تيودورين” على المواقع الاجتماعية انتباهَ الناس إلى نمط الحياة المترفة التي يعيشها, حيث ينشر فيها رحلاته وممتلكاته ولقاءاته مع المشاهير الشخصيات الأمريكية والأوروبية في مواقع حصرية.

وقد واجه “تيودورين” منذ 5 سنوات ماضية حملة دولية بسبب ثروته الهائلة. كما واجه في بعض الدول محاكمات وعقوبات شملت تجميد أصوله وحظره من السفر؛ ففي عام 2016م صادرت سويسرا مجموعة من سياراته الفاخرة بعد تحقيق فساد. ووصل حصاد مبيعات تلك السيارات ملايين الدولارات عندما باعتها السلطات السويسرية بمزاد علني في عام 2019م.

وفي عام 2017م أدانت محكمة فرنسية “تيودورين” بتهمة الفساد، وحكمت عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع وقف التنفيذ بعد أن اتهمه المدعون باختلاس الأموال العامة وغسيل الأموال. وفي عام 2018م صادرت الشرطة البرازيلية ملايين الدولارات نقدًا، بما في ذلك مجموعة من الساعات الفاخرة من وفد رافق “تيودورين” في السفر بعد فحص طائرتهم الخاصة في ساو باولو.

وفي يوم الخميس الموافق 22 يوليو 2021م فرضت بريطانيا عقوبات على “تيودورين” بسبب اختلاس أكثر من 425 مليون يورو (500 مليون دولار)، والتي أنفقها على قصور فاخرة وطائرات خاصة وأشياء أخرى. ووجهت إليه بريطانيا تهمة المشاركة في “ترتيبات تعاقدية فاسدة وطلب رشاوى لتمويل أسلوب حياة فَخْم لا يتوافق مع راتبه الرسمي كوزير في الحكومة”.

وبحسب التقرير البريطاني, فقد اشترى “تيودورين” قصرًا بقيمة 100 مليون دولار في باريس، وطائرة خاصة بقيمة 38 مليون دولار، ويختًا فاخرًا، وعشرات السيارات الفاخرة بما في ذلك فيراري وبنتلي وأستون مارتينز. كما اشترى أيضًا “مجموعة من تذكارات مايكل جاكسون بما في ذلك قفاز مغطى بالكريستال قيمته 275 ألف دولار كان يرتديه جاكسون في جولته”.

جدير بالذكر أن”تيودورين” خَسِر استئنافه ضد حكم الاختلاس الصادر بحقه في فرنسا؛ حيث أيّدت أعلى محكمة استئناف في فرنسا حكم إدانته يوم الأربعاء الموافق 28 يوليو 2021م، مما يمهّد الطريق أمام احتمال “إعادة” عشرات الملايين من الدولارات إلى مواطني غينيا الاستوائية.

وتنسجم التقارير حول ترف حياة “تيودورين” مع الانتقادات والتُّهَم الموجَّهة لوالده؛ فالرئيس “تيودورو أوبيانغ” أحد أغنى رؤساء دول العالم, ولا يزال يحكم غينيا الاستوائية منذ توليه السلطة في انقلاب عام 1979م بعد 11 عامًا فقط من استقلال البلاد عن إسبانيا. وقد اتُّهِمَ الرئيس “تيودورو أوبيانغ” مرارًا بالدكتاتورية، واستخدام خزينة الدولة كمصرف شخصي له, وأنه يدير غينيا الاستوائية كإقطاعية عائلية؛ مما مكّن نجله “تيودورين” وأفراد العائلة على السيطرة على وزارات البلاد.

وقد أشارت تقارير إلى أن الرئيس “تيودورو أوبيانغ” يهيّئ نجله “تيودورين” لخلافته في رئاسة غينيا الاستوائية؛ الدولة التي نمت ثراءً في العقود القليلة الماضية بسبب احتياطياتها النفطية، ولكن أكثر من 70 في المئة من سكانها لا يزالون يعيشون في فقر وفقًا لتقدير البنك الدولي.

تتأزّم العلاقات بين غينيا الاستوائية والدول الغربية بسبب الحملات والعقوبات الدولية ضد نجل رئيس البلاد “تيودورين”. كما أن الدول الأوروبية تغلق سفاراتها في البلاد واحدة تلو الأخرى, لتكون فرنسا وإسبانيا فقط الدولتين الأوروبيتين اللتين أبقتا على تمثيلهما في مالابو عاصمة غينيا الاستوائية. وهناك تقرير بأن الرئيس “تيودورو أوبيانغ” لم يَرُدّ حتى اليوم على طلب اعتماد من سفير الاتحاد الأوروبي الجديد في البلاد.

وقد ردّت السلطات في غينيا الاستوائية على بريطانيا بإعلان إغلاق سفارتها في لندن؛ احتجاجًا على العقوبات التي فرضتها بريطانيا على “تيودورين” الذي جُمِّدت أصوله في لندن وحُظِرَ من دخول بريطانيا.

وفي إعلانه عن إغلاق سفارة البلاد في لندن، وصف وزير خارجية غينيا الاستوائية “سيميون أويونو إسونو” تصرفات بريطانيا بأنها “تدخُّل في الشؤون الداخلية لغينيا وخرق للقانون الدولي”. وأكد الوزير على أن “تيودورين” لا يملك استثمارات في بريطانيا، وأنه لم يُوجَّه إليه أيّ تُهَم هناك من قبل المحكمة.

ترى غينيا الاستوائية أن تأكيد المحكمة الفرنسية حكم إدانة “تيودورين” غيرُ قانوني. وفي يوم الخميس الموافق 29 يوليو؛ أي بعد ساعات قليلة فقط من حكم الإدانة في فرنسا، أعلنت الإذاعة الحكومية في غينيا الاستوائية أن ستة جنود فرنسيين احتُجِزُوا في مطار “باتا” -العاصمة الاقتصادية لغينيا الاستوائية- بعد هبوط مروحيتهم في اليوم السابق للتزوُّد بالوقود.

وتقول السلطات في غينيا الاستوائية: إن مروحية الجنود الفرنسيين هبطت دون تصريح, وإن فرنسا تحاول تقويض أمن البلاد، مؤكدة أن “السلطات الوطنية (في غينيا الاستوائية) لا تَستبعد أن تكون هذه الحادثة العسكرية عملية تجسُّس واستفزاز مِن قِبَل باريس”.

وقد نفى الجيش الفرنسي اتهامات السلطات في غينيا الاستوائية بتقويض أمن البلاد ومحاولات التجسس، حيث قال المتحدث باسم رئيس أركان الجيوش الفرنسية: إن هبوط المروحية في العاصمة الاقتصادية لغينيا الاستوائية يعني ببساطة نفاد الوقود أثناء مهمة للجنود الفرنسيين بين الكاميرون وليبرفيل في الغابون, مضيفًا أن المروحية كانت غير مُسلَّحة وكذلك الجنود.

وإذا كان المتحدث باسم رئيس أركان الجيوش الفرنسية أكد على أن المفاوضات جارية مع السلطات في غينيا الاستوائية لحل الأزمة؛ فإن المرجَّح أن موجة الحملات الدولية ضد “تيودورين” لن تتوقف في أيّ وقت قريب, خاصة في ظل قيادة هذه الحملات مِن قِبَل منظمات دولية معنية بالفساد مثل “الشفافية الدولية”.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »