مذكرات لينين الرملي.. فيلسوف الضحك الجميل

0

كتبت مايسة أبو عامر

نشرت جريدة الأهرام في ملحق الجمعة…
مذكرات لينين الرملي..بعنوان..
فيلسوف الضحك الجميل..

كتب محمد_شعير.. يقول..
«هنا عاش لينين الرملي».. هذه ليست مجرد لافتة على باب بيت الكاتب المسرحي الكبير الراحل، لكنها حالة شعورية كاملة أحاطت بي، بينما كنت أتجول في مكتبه، ومكتبته، وبين أوراقه التي كتبها بخط يده، خلال لقائي مع أسرته، قبل أيام من ذكرى مولده، الثامن عشر من أغسطس.

هنا عاش وكتب؛ عملَ وأحبَّ وغضبَ، فيلسوف الضحك الجميل، الذي أسال دموعنا ضحكًا، ثم اكتشفنا أنه ضحك كالبكاء، وأننا في الحقيقة نضحك من أنفسنا، ونبكي في اللحظة نفسها عليها؛ على أخطائنا وعثراتنا، تناقضنا وسطحيتنا، نسخر من تأخرنا وتراجعنا، لعلنا يومًا ما نتغير.

إنه المفكر الشعبي، #لينين_الرملي، الذي علَّمنا أن «الشوف مش نظر.. الشوف وجهة نظر»، وأن «آدم» – الإنسان- كان وسيبقى في صراع دائم بين فطرته الخيِّرة وأطماعه الشريرة، حتى لا يظل هو «الهمجي»، وأوصانا – في التربية- قائلا: «سُك على بناتك.. بس اديلهم المفتاح»، بينما ظل يصرخ فينا من خلال كل أعماله بعبارة محددة هي: «انت حر».

داخل مكتبه، خلال جولة مع ابنه المخرج السينمائي شادي الرملي، تتبدى مصادر معرفته؛ كتب في شتى المشارب، في التاريخ والفكر والفلسفة والفن. هنا أوراقه وخطط عمله، هذه ورقة كتبها بخط يده لأحد مَشاهده، وهذه أوراق مطبوعة تحت عنوان «الأحداث التاريخية في زمن عبدالناصر» مرتبة في جدول، وهنا أكتشف فجأة موهبة خفية للينين الرملي وهي الرسم، من خلال «بورتريه» رسمه لابنته هند، وآخر للمخرج الكبير صلاح ابوسيف، كتب تحته عبارة «محاولة أخرى لصلاح أبو سيف» مع التأريخ في شهر أغسطس عام 1965، ثم أعثر على صورة غلاف كتاب صغير قديم، لأعرف أن أول كتاب منشور له كان بعنوان «ابن القباقيبي» عام 1958، أي وهو في سن الثالثة عشرة!.

لكن الرحلة بعد ذلك كانت طويلة، وصعبة، تُوِّجت في شهر يونيو 2020 بحصوله على جائزة النيل للفنون، بعد وفاته بأربعة أشهر، فهل جاء التكريم متأخرًا؟.. وهل حلم الرجل في حياته بما يستحقه ولم يجده؟.. تجيبني الكاتبة فاطمة المعدول زوجة لينين الرملي سريعا وبحسم قائلة: «عمره ما استنى التكريم»، وتوضح أن الناقد المسرحي فؤاد دوارة عندما شاهد مسرحية «انت حر» طالبها بضرورة أن يتقدم لينين للحصول على جائزة الدولة التشجيعية لأنه يستحقها، لكنه لم يوافق، لأنه لم يكن يهتم بالجوائز أو التكريم، فهو منذ أن كان طالبا في السنة الأولى في معهد الفنون المسرحية كان يقول: «أنا عايز أكتب للناس وليس للخاصة»، لذا فإن أكثر ما يسعده هو أن تعجب مسرحياته الجمهور، وليس النقاد.

لكن مسرحية «انت حر» بالتحديد، كما تقول فاطمة المعدول، كادت الرقابة ترفضها تماما، والقصة هي أن سامي الزقزوقي رئيس الرقابة آنذاك وجد أن تقرير الرقباء يوصي برفضها، فقرر أن يقرأها بنفسه، لكنها حيَّرته، وعهد بها إلى الدكتور محمد شيحة الذي أصبح فيما بعد أستاذ الفنون المسرحية لمعرفة رأيه، فقال إنها ليس بها شيء، وتمت الموافقة عليها بالفعل، بل إن شيحة أرسل خطابا للينين وصف فيه المسرحية بأنها عمل عظيم.

والحق أنه عندما ينظر المرء في أعمال لينين الرملي عموما لا بد أن يتساءل: كيف كانت الرقابة تجيز هذا؟!، فالرجل عاش عمرًا مهمومًا بقضية أساسية؛ قضية الحرية، فكيف كان يفعلها؟!. تأتي الإجابة على لسان الرجل ذاته – كما نقلتها لي أسرته- وهي أن أسهل رقابة في حياته كانت هي الرقابة الحكومية، لأنه كان يستطيع أن يعبرها، فلا يقول شيئا يمكن أن تمسكه منه أو ترفضه له، ولعل هذا المعنى هو ما عبَّرت عنه السيدة ثريا الجندي رئيسة الرقابة سابقا عندما قالت له يوما: «يا أستاذ لينين انت بتقول كل حاجة.. وما بنعرفش نمسك عليك حاجة». ورغم أن لينين الرملي لم يكن مناصرا لنظام الرئيس الأسبق #حسني_مبارك إلا أنه كان يقول دائما أن عهد مبارك أتاح مساحة من الحرية للفن أكثر من كل العهود.

«الحرية فكرة كانت تعذبه طوال حياته وكان واعيا بها منذ طفولته».. هكذا تقول #فاطمة_المعدول رفيقة رحلته، فقد ولد لأب وأم من المناضلين الشيوعيين، هما الكاتب فتحي الرملي والكاتبة سعاد زهير، أما لينين فلم يكن يومًا ما اشتراكيا أو شيوعيا، لكنه حمل على كاهله آثار ذلك طوال حياته، بدءً من اسمه وما سببه له من مشاكل مستمرة، بل إنه – كما يقول #شادي_الرملي- دخل السجن وعمره لم يتجاوز عامين!.. كيف؟!.

خلال عام 1947 في العهد الملكي، توجه رجال البوليس السياسي لاعتقال والدته التي كانت تقيم عند أمها بعد سجن زوجها، وعندئذ بكى الطفل لينين ذو العامين وبجواره شقيقه الرضيع جهاد، فأصرت الأم على أن تصطحب ابنيها معها. استشار الضباط رؤساءهم فوافقوا وتعاملوا معها بشكل محترم، ودخل لينين السجن مع والدته وشقيقه، ليقضي أسبوعا واحدا قبل أن يخرجوا جميعا، بسبب ملل حراس السجن لاضطرارهم إلى مباشرة شؤون رعاية طفلين!.

ويتكرر مشهد الاعتقال ذاته، مع بعض الاختلاف، في يوم العيد العاشر لثورة يوليو. دخل رجال الأمن لاعتقال والدته، لكن جدته دفعته هذه المرة للصعود إلى سطح المنزل في منطقة عابدين قبل وصولهم. فعل الشاب لينين ذلك، ووقف وحده يبكي في الأعلى، لأن أمه يتم القبض عليها، وعندئذ جاءته ابنة الجيران التي كان يحبها، وضعت يدها على كتفه وواسته، ومن موقعه شاهد بدء إطلاق الألعاب النارية في ميدان التحرير احتفالا بعيد الثورة، فقال: «ليه كل الناس فرحانة وانا بس اللي حزين؟!».

لأجل كل هذا ربما، كان فيلسوف الضحك الجميل مهموما دائما بالحرية، ولأجل هذا أيضا كان شخصية تميل إلى الحزن والاكتئاب، برغم حرصه الدائم على إضحاك الناس. يبدو هادئا لكن داخله بركانا، يفكر طوال الوقت، ليس سهلا أن يسعده شيء، وليس سهلا أن يقترب منه أحد إلا بإرادته، وهو ما عبر عنه الكاتب والناقد الدكتور #فوزي_فهمي بوصف «المياه الإقليمية للينين الرملي» التي لا يدخلها أحد إلا بتصريح منه. كما أن المفكر الكبير الدكتور #لويس_عوض قالها له بوضوح بعد مشاهدته إحدى مسرحياته رغم إعجابه بها: «بس انت متشائم قوي يا لينين».

وليس من باب التناقض أن يكون هذا المفكر الشعبي الحر «ديكتاتورا» في كل ما يتعلق بعمله، فهو يريد أن يكون كل شيء منضبطا للغاية، بأعلى درجات الدقة، بدءً من مكتبه في منزله والذي كان يثير جنونه أن تُغير زوجته مكان ورقة واحدة فيه، وانتهاءً بكل حرف يكتبه في مسرحياته، التي كان يحدد فيها تفاصيل الإضاءة والديكور والحركة والموسيقى، ويوجه الممثلين حول الأداء في البروفات، ثم يحضر العرض يوميا لمتابعة كل هذا.

الفنان #بيومي_فؤاد أحد أبطال فيلم «#أوشن_14» الذي أخرجه شادي الرملي، وفي كواليسه روى ضاحكا أحد المواقف التي غضب فيها الأستاذ لينين خلال بروفات مسرحية «أهلا يا بكوات»، عندما أضاف بيومي حركة للمشهد المكتوب، فرفع الأستاذ صوته وقال ساخرًا: «أنا فاتتني فعلا الإضافة الجميلة بتاعتك يا أستاذ بيومي»، ووقتها لكز #عصام_السيد مخرج المسرحية بيومي فؤاد وقال له: «ده لينين الرملي.. يعني ما تعدِّلش عليه.. لو عندك إضافة قلها له الأول.. وهو حيضبطها لك بشكل أفضل.. لكن إياك تفاجئه».

وفي مسلسل «حكاية ميزو» – كما تحكي فاطمة المعدول- كان الفنان #سمير_غانم يأتي إلى البيت ومعه حقيبتان ممتلئتان بالاكسسوارات والملابس، ويجلس مع لينين الذي يقوم بتحفيظه النص والأداء، فقد كان يكتب على الورق كل ما يجب أن يفعله الممثل. وكان سمير غانم يقول له: «انت عايش معايا يا لينين؟!.. ده كلامي اللي باقوله وهي دي طريقتي»، ولذلك فقد كان هذا العمل هو الوحيد تقريبا الذي لم يرتجل فيه سمير غانم، لأنه مكتوب له حتى بارتجالاته المعتادة.

لكن «الديكتاتورية اللينينية» في العمل، كان يقابلها محبة وحنان كبيران للأبناء في المنزل، وحرص على التربية أيضا، فلا يتذكر شادي أن أباه ضربه يومًا ما، فقد كان الأب قادرا على أن «يبكيك بالكلام لما تغلط»، لكن الرملي الابن يتذكر جيدا مباريات كرة القدم التي كان يشاركه فيها والده، حتى تكسرت كل «فازات» البيت، وانهار اللوح الزجاجي للشرفة!.

أما #هند_الرملي، التي تولت تصميم الموقع الإلكتروني الخاص بوالدها، فتعتبر أنه لم يكن أبا تقليديا، بل صديقا، لا يصدر الأوامر إنما يناقش ويقنع، حتى وهي طفلة في عمر الخامسة، بشكل كان يثير ضحك زوجته أحيانا. يسأل ابنته عن لوحاتها، لأنها مثله تحب وتجيد الرسم، كما يسألها عما تحب مشاهدته، فهو – وللغرابة- لم يكن يحب مشاهدة التليفزيون أو الأعمال الدرامية، بما في ذلك أنجح أعماله هو ذاته.. لماذا؟!.. لأنه ببساطة يرى طوال الوقت أنها كان يمكن أن تكون بصورة أفضل، وأن فلانا قد أفسد كذا، والآخر كان يجب أن يفعل كذا، ولذا فقد كان لا يشاهد إلا نشرات الأخبار والأفلام القديمة، خاصة أفلام #نجيب_الريحاني. وبينما يعتقد كثيرون ممن يعرفون هند الرملي أن والدها قد استخدم اسمها في مسلسل «هند والدكتور نعمان»، لكن الحقيقة أن الدراما جاءت أولا، وأن المؤلف قد اختار تسمية ابنته باسم بطلته وليس العكس. وفي كل الأحوال فقد كان يسميها مداعبًا «عِند لينين الرملي»، في إشارة إلى شخصيتها العنيدة، فتتساءل هي ضاحكة: «يعني هو اللي ماكانش عنيد؟!».

وهكذا كان لينين الرملي أول من عمل برسالته التي وجهها لنا قبل أربعين عاما على لسان الفنان الكبير #فؤاد_المهندس في ختام مسرحية «سُك على بناتك»، حيث منح ابنته «المفتاح» بالفعل؛ الحرية، لكن الأمر المفاجئ هنا هو ما يذكره شادي الرملي قائلا إنه على مسؤولية الفنان #تامر_عبدالمنعم، الذي أخبره بأن لينين الرملي كان لديه مشروع مسرحية أخرى بعنوان «سُك على ولادك» أنهى منها فصلا كاملا موجودًا لديه، أي تامر، وعندئذ طلبت فاطمة المعدول من ابنها استعادة هذا النص إن كان موجودًا بالفعل، لأنه يمكن استكماله وعمل مسرحية جديدة.

وتتوالى المفاجآت.. إذ تكشف أسرة الرملي أنها تحتفظ بمذكرات شخصية لم يطِّلع عليها أحد، كان الأستاذ لينين يكتبها بخط يده، تحت عنوان «أنا»، ويخاطب فيها نفسه معلقا على حدث أو فكرة قائلا على سبيل المثال: «أنت اليوم….»، كأنه يفكر بالكتابة، وليس معروفا ما إذا كان قد كتبها للناس كعادته، أي بقصد نشرها، أم لا. ويفسر شادي الرملي ذلك بقوله إن الكتابة بالنسبة لوالده كانت «أسلوب حياة»، سواء كتب لنفسه أو للناس، وكان حتى في رحلاته يحمل معه الأوراق والأقلام. ويضيف شادي أخيرًا أنه حاول بدء قراءة هذه المذكرات لكنه عاد وتوقف، لأنها أرهقته نفسيا للغاية، وذكَّرته بوالده بشكل مؤلم، فقرر تأجيل الأمر قليلا، لحين اتخاذ الأسرة قرارها بشأن نشر هذه المذكرات أو بعضها.

وهكذا.. رحل لينين الرملي لكنه بقى.. بقى بالكلمة والصورة والأبناء كامتداد.. رحل بعد حياة عامرة، كان شعاره خلالها – كما تقول أسرته- «الوطن.. المسرح.. الأبناء». عاش بسيطا «يقف على عربة الفول» يأكل مع الناس. لم يحلم بملابس أو سفر أو سيارات. كل أحلامه كانت للمسرح. يكره ارتداء رابطة العنق كما تكره الأرض الدم المسفوح. يعشق كرة القدم ويمارسها مع صديق عمره الفنان #نبيل_الحلفاوي، ويشتركان معا في محبة #النادي_الأهلي. التقى الرئيس التاريخي للنادي #صالح_سليم الذي احتفى به وعامله «كأنه هو النجم» وفق ما عاد يحكيه لأبنائه يومها بسعادة الأطفال. وبخلاف كل هذا فقد قضى حياته في العمل، كتب 54 مسرحية، وأصر على أن يكون منتجًا، ينفق كل أمواله على المسرح حتى يكون حرًا فيما يفعل، وكان يقول دائمًا برضا: «كسبتُ أموالًا أكثر مما تخيلت.. وحققتُ نجاحًا أكثر مما حلمت».

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »