المهدي غير المنتظر.. الحرب الناعمة لتوظيف الدين

0

كتب فرحات غنيم

نشر الكاتب المصري كامل رحومةفقرة من كتابه تحت النشر “المهدي غير المنتظر.. الحرب الناعمة لتوظيف الدين”.. وهي جزء من مبحث كبير تحت عنوان: “الاستخدام الاستعماري للدين الإسلامي” يقول رحومة..

“نابليون بونابرت.. أميرا للمؤمنين”:

لم يكن “نابليون بونابرت” أول من استخدم العاطفة الدينية لاستيعاب الشعب المصري فيما لا يبطل خططه السياسية والعسكرية، فقد سبقه الكثير، ومن أقدمهم وأهمهم وأشهرهم “الإسكندر المقدوني” الذي أشاع أسطورة تغازل تدين المصريين وتستثير مع ذاك الغزل حنقهم على الفرس الذين اشتهروا بإهانة دين المصريين والاستهانة بتدينهم. تقول الأسطورة بأن “فيليب الثاني” ليس أباه وانه ابن الفرعون “نختابو الثاني” آخر فراعنة مصر الذي فر هاربا بزعمه إلى مقدونيا. ثم قام برحلته الشهيرة إلى معبد “أمون” بسيوة ، وتماهى في أسطورته وادعى أنه ابن “أمون” الإله الذي تجلى في “نختابو الثاني” .

كان “نابليون” دائم الحديث عن تجربة “الإسكندر” في مغازلة الوجدان الجماهير المصرية الجمعي، فيحكي قائلا عن سياسته مع المصريين: إن الأفكار الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور.. فلما ظهر الإسكندر الأكبر على حدود بلادهم جاءوا ليحيوا هذا الرجل العظيم بوصفه محررهم. ولما عبر الصحراء في زحف لم يستغرق غير أسبوعين من الإسكندرية إلى معبد أمون. ولما جعل الكهنة تستقبله بوصفه “ابن جوبيتر”، كان يفعل هذا وهو على وعي تام بعقلية هؤلاء الناس.. وقد حقق بعمله هذا، من حيث تثبيت دعائم فتحه للبلاد، أكثر مما يحققه لو كان بنى حصنا وعزز جيشه بمائة ألف من المقاتلين المقدونيين”.. ولهذا السبب فقد كان الاقتداء بالإسكندر حلما يداعب خيال نابليون منذ نعومة أظفاره .

وقد أخبر “نابليون” أحد رفاقه في سانت هيلان بأنه معجب بأساليب الاسكندر السياسية لا بحملاته الحربية، وكان في منتهى السياسة أن يذهب لزيارة معبد أمون، فهو بهذا فتح مصر. ولو أنني مكثت في الشرق لأقمت على الأرجح دولة كدولة الإسكندر بذهابي إلى مكة للحج .

ويعتقد “كريستوفر هيرولد” أن “نابليون” قد سعى لرضى المصريين بطرق غير مباشرة، فهم – بحسبه – لا يحترمون غير القوة، فيجب أن يحكموا حكما حازما، وما دام الحافز الوحيد هو النعرة الدينية، فلابد من توجيه هذه النعرة واستغلالها. وقد وردت هذه الفكرة الطريفة في خطاب كتبه بونابرت لرئيس حكومة جنوة المؤقتة في عام 1797م: “لا تنس أنك كلما جعلت الدين أو حتى الخرافة، يصطرع مع الحرية، فإن النصر سيعقد للدين على الحرية في عقل الشعب” .

واستنادا إلى الوثائق التاريخية تتبع “هنري لورنس” مواقف بونابرت من الإسلام وتصوره له، مبرزاً خاصية مهمة من خصائص البونابرتية هي المناورة بين مختلف الأديان والأيديولوجيات، وذلك بقدر إلحاح الحاجة إلى مثل هذه المناورة .

قال “نابليون” في إعلانه إلى المصريين: “والفرنساوية مسلمين خالصين.. وأنه أكثر من المماليك، يعبد الله – سبحانه وتعالى – ، ويحترم نبيه محمد والقرآن العظيم” . فلم يستخدم بونابرت سياسة الانقضاض على عالم الإسلام وهدمه من الخارج والاستيلاء عليه، وإنما “باختراقه” واحتوائه من الداخل، وإن اقتضى منه ذلك ادعاء اعتناق الإسلام والإيمان بنبيه . لكن “سنتدال” يرى أن إسلام بونابرت كان نفاقا سياسيا مشروعا.. وحيث أنه كان يريد أن يكسب مودة المصريين، فقد كان محقا في تملقه هذا بادعاء الإسلام” .

وقد كان “نابليون” بالنسبة للمؤرخ الشهير “جوستاف لوبون” هو أحد القادة الذين استطاعوا التحكم بالجماهير بصورة لم يكن لها مثيل إلا من الأنبياء . ولنابليون محاضرة بعنوان “قناع النبي” أشار إليها “هنري لورانس” في محاضرته بعنوان “الإسلام والثورة” .

فكان يحضر الصلاة في بيت الشيخ البكري، وقد خلع على الشيخ فروة وقلده نقابة الأشراف . وقد تعاون معه الشيخ المسيري كبير الإسكندرية بعد الشيخ “محمد كريم”، الذي قدم في ولائمه الأرز ملونا بثلاثة ألوان العلم الفرنسي تكريما للقيادة الفرنسية . ومن ذلك أن الشيخ المسيري وقع في نفس الغلطة التي سيقع فيها الشريف حسين – فيما بعد – في الحرب العالمية الأولى؛ لاتفاقه مع “نابليون” على حكومة موحدة – في المستقبل – تقوم على مبادئ القرآن، التي هي المبادئ الحقة القادرة على اسعاد الناس .

لكن “كريستوفر هيرولد” يعتقد بأن شعب مصر كباره وصغاره كان محقا في التشكك في إخلاص بونابرت حين أعلن على الملا أنه مسلم فعلا .

أما عن فائدة ادعاؤه للإسلام بالنسبة له، فيقول في مذكراته: إنه فكر في اعتناق الإسلام هو وجيشه ويقول إن تغيير الدين الذي لا يمكن اغتفاره من زاوية الاعتبارات الشخصية قد يجوز تفهمه من زاوية ضخامة آثاره السياسية . كما يؤكد: أن بياناته إلى المسلمين لم تكن غير احتيال، حيث انتقل إلى الحديث عن بيانات مصر وتهكم كثيراً على البيان الذي قدم نفسه فيه في صورة ملهم ورسول من الله يتلقى الوحي عنه، وقال إن هذا كان احتيالاً لكنه احتيال من أعلى طراز .

وتلك الحيلة لم يفعلها مع المسلمين فقط، بل فعلها مع الصهاينة أيضا؛ إذ يعتبر نابليون بونابرت من أوائل القادة الغربيين الذين أصدروا وعدا بلفوريا وهو أيضا أول غاز للشرق في العصر الحديث. ولعل الجزء المهم من نص الوعد، هو: “من نابليون القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وأسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين” . ومما جاء فيه أيضا: “إن الجيش الذي أرسلتني العناية الإلهية به، والذي يقوده العدل ويواكبه النصر، جعل القدس مقرا لقيادتي، وخلال بضع أيام سينتقل إلى دمشق المجاورة التي لم تعد ترهب مدينة داود” .

ومحاولة بونابرت إيهام رجال الدين بمصر بأن النبي (ص) قد خصّه بالرعاية، وإلا: فكيف هزم أولئك المماليك الشجعان؟.. إنه هزمهم بتوفيق الله ومحبة رسوله . وكان يزعم أنه مبعوث العناية الإلهية. لكن هذه الوسيلة باءت بالفشل أينما استخدمها، فقد كانت فكرة الناس عنه أنه طاغية منافق . وقد وصف الجبرتي هذا “الافتراء البونابرتي” فقال: “إنها تمويهات على العقول، وتسلق على دعوى الخواص من البشر، بفاسد التخيلات التي تنادي على بطلانها بديهة العقل، فضلا عن النظر” .

ومن الغريب أن يتطابق ما أشار إليه الجبرتي بما ذكره “كريستوفر هيرولد” من أن نابليون وهو في سانت هيلانة أعترف بأن هذا المنشور كان قطعة من الدجل “ولكنه دجل من أعلى طراز”. أما “هنري لويس” فيقول: أن نابليون كان يستخدم لغة الإسلام في الحديث عن المساواة لكسب الجماهير فقط لا غير، بالحديث عن المساواة بين البشر وما شابه، وبذلك يدفع الجماهير بعيدا عن فكرة الثورة عليه .

أما عن ربط العلماء بالسلطة أيام الحملة الفرنسية: “فقد كان يتماشى مع التعزيز السياسي لهذا الفريق الذي كان واحدا من محركي التجديد الإسلامي المعاصر، ولم يتردد الجنرال الفرنسي في إعلان تفوق الشريعة الإسلامية؛ فقد قال نابليون: “أرجو الا تتأخر اللحظة التي يتسنى لي فيها جمع كل الرجال الحكماء والمثقفين في البلاد، وإقامة نظام متسق قائم على مبادئ القرآن وهي المبادئ الصحيحة الوحيدة، والقادرة وحدها على تحقيق سعادة البشر” .

وقد اعتبره المؤرخ “عبد الرحمن الجبرتي” مدعيا للمهدوية أو النبوة حينما اندمج في الدور الذي رسمه لنفسه لما ادعى أنه يعلم ما يسره المصريون وما يعلنون، وذلك عندما أعلن في بيان له إلى سكان القاهرة في 21 ديسمبر 1798م: “أن العاقل يعرف أن ما فعلناه بتقدير الله وإرادته، وأن من يشك في ذلك فهو أعمى البصيرة.. وأعلموا أيضا أني أقدر على إظهار ما في نفس كل واحد منكم”.. وقد علق الجبيرتي على ذلك بأنه بينما يصور نفسه في صورة المهدي أو النبي، فإن مسلكه يثبت العكس، كما وصف هذه الأقوال بأنها ليست أكثر من حماقة ومخاتلة” . وكذا “هنري لويس” الذي قال عنه: “أنه يسعى إلى أن يصور نفسه أمامهم في صورة مهدي منتظر حقيقي للمسلمين” .

وكان البيان المشار إليه صدر في 21 ديسمبر، لكن نشر في 24 ديسمبر، أي بعد ثلاثة أيام قضاها المترجمون في تعريب وتحوير عبارات نابليون الأصلية التي ادعى لنفسه فيها منزلة النبوة إن لم نقل الألوهية – على حد تعبير “أحمد حافظ عوض” .

وعند مغادرة نابليون لمصر فجأة، أعطى تعليماته، لنائبه كليبر، بأن يدير البلاد عبر المستشرقين، ورجال الدين الإسلامي، الذين كان بإمكانهم التغلب على المصاعب”. وقد كانت النتائج مبهرة من وجهة نظر المفكر الكبير “إدوارد سعيد” .

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »