في ذكرى محمود عوض عندليب الصحافة العربية

0

 

كتب فرحات غنيم

في ذكرى محمود عوض (عندليب الصحافة العربية)..كتب الاعلامي خيري حسن بصحيفة الوفد..
فى ذكراه《 12》

(وحشتنا… يا عم محمود)
•••
“الأرض بتتكلم عربى وقول: الله
إن الفجر لمن صلاه
ما تطولش معاك الآه
الأرض .. بتتكلم عربى”

(الخميس.- 29 أغسطس – 2009)
كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة من بعد عصر ذلك اليوم عندما رن جرس هاتفى على شاشته اسم «الأستاذ».
– “خيرى.. إنت فين”؟
– فى البيت يا أستاذ.. ثم أكملت كلامى، صوتك يا أستاذ من نبراته يؤكد أنك مرهق.
– “لست مرهقاً.. أنا.. أنا.. أنا تعبان”!
– إذن أمر عليك الآن، ونذهب للمستشفى
– “لا.. لا تقلق.. ثم إن موعد أذان المغرب اقترب – كنا فى شهر رمضان – ولن نجد أحداً فى المستشفيات”.. ثم يضحك بصعوبة ويقول: “الآن.. لا صوت يعلو فوق صوت إعداد مأدبة الإفطار، عموماً اطمئن أنا بخير.. لكن أريد منك أن تمر علىَّ يوم السبت القادم.. الساعة العاشرة صباحاً”. ثم سكت قليلاً، وقال: “عدى الساعة الواحدة بعد الظهر أفضل”.
– لكننى أشعر بأنك «تعبان» يا أستاذ!
“لا تخف.. فأنا بخير.. ولا تنس موعدنا.. وعندما تصل أسفل العمارة، اطلب تاكسى.. نذهب به للطبيب.. وانتظرني”! ثم.. ثم.. ثم أغلق الخط!
***
“أزرع كل الأرض مقاومة
ترمى فى كل الأرض جدور
إن كان ظلمه تمد النور
وإن كان سجن تهد السور”

( المعادى – بعد مرور ساعة)
مرت الدقائق ثقيلة، أشعر بتعبه، وبمرضه، وبوحدته فهو لم يتزوج وعاش للصحافة والكتابة، وفى الوقت نفسه أشعر بمحاولته الثبات أمام المرض، حيث يعانى متاعب شديدة وعنيفة فى الرئة، لدرجة أن الدكتور «عوض تاج الدين» – وزير الصحة الأسبق – عندما زرناه، كأحد أفضل أطباء أمراض الصدر، وبعدما جلس أمامه منذ شهور – وأنا معه – قال له:”يا أستاذ محمود، حتى تعيش يجب أن تبتعد نهائياً عن التدخين، السيجارة ستقتلك، الرئة عندك لم يعد فيها ما يصلح للحياة أو ما يمدك بالحياة، فأرجو منك – من أجل قرائك وأنا منهم – أن تتوقف نهائياً عن التدخين”! هز رأسه وقال وهو يضحك: “سأحاول.. لكن لا تعتبر هذا وعداً”!
***
“الأرض بتتكلم عربى ومن حطين
رد على قدس فلسطين
أصلك مَيهّ وأصلك طين
الأرض بتتكلم عربي”

(القاهرة – 1967)
المرض يشتد.. والأمل تتضاءل فرصه.. والأيام تمر عليه طعمها «مر»! فلقد هربت من بين يديه الأيام «الحلوة» عندما كانت أم كلثوم ترفض إجراء «بروفة» لبعض أغانيها، إلا فى وجوده. وكان العندليب عبدالحليم حافظ يسهر معه فى شقة العجوزة، وكان عبدالوهاب لا ينام إلا بعدما يطلبه فى البيت ويسأله: «أخبار السياسة إيه يا محمود»؟! وكان مصطفى طلاس وزير الدفاع السورى الأسبق يرسل له طائرة خاصة ليزوره فى بيته فى دمشق، وكان المطرب السورى الراحل صباح فخرى يطلبه ليسافر إلى بيروت ليستمع لصوته فى حفلة هناك، ومن قبل هذا كله.. غابت أيامه «الحلوة» التى كانت فيها إسرائيل منزعجة من كتاباته التى كان يفضح بها كل مشاريعها ومخططاتها فى المنطقة منذ أن حلت علينا، واحتلت الأرض، هذه الأيام غابت!
•••
“يا إللى جراحك والده جراح
خلى فى يد الجندى سلاح
زي العامل .. والفلاح
زى الثورة …والاصلاح”

(القاهرة – 2008)
فى ذلك العام.. السيجارة ما زالت تقهر رغبته فى الإقلاع عنها، أدوية وتحاليل، وأشعة وزيارات مستمرة للأطباء، ومقالة أسبوعية يكتبها لصحيفة «الحياة» اللندنية، التى انتقل للكتابة بها منذ عام 1994، بعدما رفض طلبات كثيرة للكتابة على صفحات الصحف العربية، بعدما استبعد – بفعل فاعل – من صحيفته ومحبوبته التى أعطاها قلمه ودمه «أخبار اليوم» ومُنِع من الكتابة فيها منذ عام 1977، والجريمة التى ضبطوه يرتكبها، والفعل الفاحش الذى فعله على الملأ وأمام الرأى العام هو أنه «موهوب»!
وهل «الموهبة» تهمة؟! نعم.. الموهبة جريمة، وفضيحة، وكارثة، ووباء، وابتلاء، وقنبلة فى جيب بنطلون صاحبها، جاهزة دوماً للانفجار فى جسده لتحوله بفعل – أعداء النجاح – إلى أشلاء مبعثرة فى الطرقات، وهذا ما حدث معه، منذ أن وضع قدمه فى أوائل الستينيات فى مؤسسة «أخبار اليوم»، حيث تربص به المتربصون، وحقد عليه الحاقدون، وجلس على قبره – وهو حى – المهرجون، يضحكون وهم يمضغون موهبته قطعة قطعة، حتى يختفى من على وجه الأرض ويموت قلمه للأبد لكنهم – فيما يبدو – يجهلون أن الموهبة لا تموت، وإن أغلقوا أمامها باباً، فتحت لنفسها ألف باب.
نعم.. حاولوا أن يقتلوه معنوياً وصحفياً، وأدبياً، لكنهم فشلوا، فالبقاء دائماً للأجمل، والفناء دائماً نهاية كل ما هو قبيح، تلك هى عدالة السماء.
***
ولد فى (28 – ديسمبر – 1942) فى مدينة طلخا بمحافظة الدقهلية، ورحل فى (30 – أغسطس – 2009 ) التحق بمؤسسة أخبار اليوم وهو طالب بكلية الحقوق، ورفض العمل بالنيابة حباً فى الصحافة، وبعد 8 أعوام من تخرجه فى الجامعة عام 1964 أصبح نائباً لرئيس تحرير «الأخبار» وهو لم يكمل عامه الثلاثين. بعدها اختار إحسان عبد القدوس له لقب عندليب الصحافة المصرية وأطلقه عليه ثم أسس جائزة التفوق الصحفى فى نقابة الصحفيين. وكان صديقاً مقرباً من كبار رجال السياسة والفكر والثقافة والفن.
اُستبعد من «أخبار اليوم» بعد مؤامرة قادها ضده موسى صبرى عام 1977، وفى عام 1986 تولى رئاسة تحرير جريدة «الأحرار» الحزبية، رفع توزيعها من 3 آلاف نسخة إلى 160 ألف نسخة فى 3 أشهر ثم اُستبعد – أو أًجبر على الاستقالة – من رئاسة تحريرها فى ذلك الوقت.
***
“الأرض بتتكلم عربي
بوجدَ وشوق
الفرح اللى يهم لفوق
لأجل الجدر يشم الضوء
الأرض بتتكلم عربي”

( السبت 31 أغسطس 2009)
الساعة الآن الواحدة ظهراً، اتصلت به على التليفون الأرضى – «لم يكن يهوى الموبايل» – مرة.. اثنتين.. ثلاثة.. لم يرد.. انتظرت ساعة.. ساعتين.. ثلاث.. وبين كل ساعة وأخرى أطلبه فلا يرد، ساورنى القلق، هل هو نائم؟ هل ذهب للطبيب بدونى.. هل خرج لوحده؟ عشرات الأسئلة.. ولا أجد إجابة.
فى النهاية أذان المغرب اقترب، الجو حار، والقلق ما زال معى يهاجمنى.الآن انطلق مدفع الإفطار، فتناولت إفطارى وأنا أرتدى ملابسى. شربت الشاى وأنا نازل على درجات سلم العمارة. وفى الطريق اتصلت بـ«سيد عبد العاطى» – الكاتب الصحفى – حيث كان بيننا لقاء، رد قائلاً: “أنا فى فندق سميراميس فى وسط القاهرة” عندنا وصلت إليه، سألنى: “إلى أين ذاهب”؟ قلت: للأستاذ محمود عوض هو كان صديقه أيضاً، سألنى: “خير”؟! قلت وشرحت له ما حدث وقلقى لعدم رده منذ ظهر اليوم، قال: “إذن اذهب وطمني! أنا منتظرك فى الفندق”. أوقفت تاكسى، وفى دقائق كنت أمام العمارة التى يسكن بها – كانت بجوار عمارة السفارة الإسرائيلية (6 أ)شارع ابن مالك بجوار كوبرى الجامعة/ كورنيش الجيزة – الشارع مدجج بقوات الأمن، والحاجز الأمنى يمنعك من المرور، إلا بعد إبراز تحقيق الشخصية، بعضهم كان يعرفنى بسبب ترددى عليه من قبل. اتفضل يا أستاذ.
•••
“خلى الأصل وخلى الدين
والحق الواحد شاهدين
خلى سلاحنا فى كل يمين
ولا يضعف ولا عمره يلين”

( الجيزة – التاسعة مساءً)
الشوارع مزدحمة بالسيارات، الفضاء يمتلئ بضجيجها المتصاعد بعد يوم صيام شاق من شدة الحر، أصوات الجوامع تنطلق فيها أصوات المصلين لصلاة التراويح. دخلت بهو العمارة، استدعيت البواب، سألته عن الأستاذ: رد: “لم أره منذ أول أمس”! قلت: ولا يرد على الهاتف، قال: “لا تقلق.. أنت تعرف طقوسه، فمن الوارد أن يكون مشغولاً بكتابة، أو قراءة أو زيارة”. قلت: أقول لك تعبان، وكنا سنذهب معاً للطبيب اليوم! سكت «البواب» ونظر لى بدهشة، وزادت دهشته عندما رآنى أمسك باب الأسانسير. ثم قال: “إلى أين”؟
قلت سنصعد إليه، ارتعد البواب وقال وهو خائف:” لا.. أنت تعلم كم سيغضب إذا صعدنا إليه، فهو يمنع أى زيارة بعد السابعة مساء”. قلت: لكنه لا يرد ولا نعرف عنه شيئاً، قال: “أنت بذلك ستتسبب فى قطع عيشى”. قلت: أنا المسئول.. هيا بنا.
فى الدور الثانى توقف الأسانسير أمام الشقة.. الشقة دوبلكس، الدوران الثانى والثالث معاً، أمام باب الشقة وقفت وضغط على جرس الشقة، مرة.. اثنتين.. ثلاثة.. لا أحد يرد..
مرت الدقائق بصعوبة.. طلبت من البواب أن نصعد للدور الثالث ونحاول وقد كان، وضغطت على الجرس.. ولا أحد يرد أيضاً، نظرت بعينى أسفل باب الشقة فوجدت أطراف الصحف ما زالت موجودة، مددت يدى وسحبتها والبواب بجوارى ينتظر، إنها صحف الجمعة والسبت «أهرام الجمعة. أخبار اليوم، الوفد، المصرى اليوم، الحياة، الشرق الأوسط هو لم يأخذها، وهذه ليست طريقته فهو يقرأ الصحف فى السابعة صباحاً كل يوم، فهذا معناه أنه إما غير موجود بالداخل أو أنه مات!
***
“الأرض بتتكلم عربى
جدورها جدود
مد اتوسع زىَ العود
أنت الباكر والموجود
الأرض بتتكلم عربى”

( مدخل العمارة – بعد مرور 30 دقيقة )
عدت أنا والبواب إلى مدخل العمارة وجلست على السلم لا أعرف ماذا أفعل، تذكرت سيد عبدالعاطى، اتصلت به رد: “أين أنت الآن”؟ قلت: فى مدخل العمارة أنتظر، رد:”ابقى مكانك وأنا فى الطريق”! قلت: أشعر أنه مات. سكت قليلاً..ثم قال: “لا تتعجل أنا قادم إليك”. بعد دقائق جاء.. وتوجهنا معاً إلى القوات الأمنية التى تؤمن السفارة الإسرائيلية، ردوا: اتصلوا بمديرية أمن الجيزة، عبدالعاطى اتصل بزميلنا محمد عبدالفتاح الذى هاتف وزارة الداخلية، بعد دقائق جاءت قوات الأمن، طلبوا منا الصعود معهم للشقة، أنا رفضت فلم أعد لدىَّ أي ذرة شك فى أنه حى، ووقفت مع سيد عبدالعاطى فى الشارع.
•••
“كل فروع الحق بنادق
غير الدم ما محدش صادق
من أيام الوطن الاجىء
إلى يوم الوطن المنصور”

( مدخل العمارة – بعد مرور 60 دقيقة)
جاء رجل الأمن – بعد دقائق – وقال: “اتفضلوا يا أساتذة، البقية فى حياتكم، الأستاذ مات”!
صعدت درجات السلم بصعوبة، دخلت إلى الشقة، رجال الأمن ينتشرون، تحركت فى ممر صغير، وصلت إلى حجرة مكتبه، وجدته في وضع السجود فى المسافة ما بين مكتبه الذى يكتب عليه وبين الطرق المؤدية إلى حجرة نومه، على مكتبه كتب، وأوراق، وقلم، وموبايل فاصل شحن، ضابط المباحث حرك جسده ونظر إلى وجهه ليضمئن أنه لم يكن هناك أى عمل جنائى، وجهه شاحب بعض الشىء، لكن تشعر أنه يبتسم، أو كأنه مات راضياً عن نفسه، فتش رجال الأمن المكان من الشبابيك للمناور للأبواب فى الشقة بطابقها العلوى والسفلى.
•••
“الأرض بتتكلم عربى
سَبَل وكروم
وتجرى اللقمه على المحروم
ما تثبتش حصون الروم
الأرض بتتكلم عربى”

( الجيزة – مديرية الأمن)
ذهبنا إلى مباحث الجيزة، الساعة تجاوزت الواحدة والنصف، السحور على الأبواب، رجال المباحث طلبوا لنا السحور معهم ثم استكمل معى ضابط المباحث التحقيق بوصفى أنا الذى اكتشف الوفاة، فى نفس الوقت اتصل سيد عبدالعاطى بشقيقه طه عوض وأبلغه بالخبر، الساعة الآن الرابعة صباحاً، وأمام القسم جاء لنا ياسر رزق رئيس مجلس إدارة «أخبار اليوم» السابق، وخالد حنفى رئيس تحرير مجلة «الإذاعة والتليفزيون» بعدما علما بالنبأ، وقفنا جميعاً فى الشارع نتبادل الحديث، وانصرفنا كل إلى بيته على اتفاق أننى سأعود فى الصباح لاستكمال باقى الإجراءات.
***
“خلى الصبر شهور وسنين
يسند ظهر معديين
خلى عرقنا يلاقى جبين
يقطر منه على فلسطين”

( المعادى – الساعة السادسة صباحا)
فى اليوم التالى جرس الهاتف..يرن… ألو.. أنا خالد صلاح – «رئيس مجلس إدارة وتحرير اليوم السابع» – “صباح الخير يا خيرى ماذا حدث؟ هل مات الأستاذ؟ أين أنت الآن”؟ وقبل أن يواصل أسئلته السريعة والحزينة، قلت: نعم، مات.. سكت قليلاً ثم قال: “سأرسل لك المدير الإدارى ومعه سيارة وهو تحت تصرفك مالياً وإدارياً فى أى شىء حتى تنتهى من إجراءات الدفن”.
عدت من البيت – حيث أسكن فى حى المعادى – إلى الجيزة مرة أخرى وهناك التقيت أخوته الذين جاءوا من محافظة الدقهلية، وكانت سيارة نقل الموتى لمؤسسة «أخبار اليوم» قد جاءت وانتهينا من إجراءات الدفن، وأغلق المحضر فى قسم الشرطة، وعدت إلى شقته بالعمارة وجلست على السلم حتى تنتهى أسرته من الإجراءات.
•••
“الأرض بتتكلم عربى..
يا خيّال
يسعد سيفك أم عيال
ظهرك ياما من الأجيال
الأرض بتتكلم عربى”

( مدخل العمارة – العاشرة صباحا )
وصل خالد صلاح وبعده يسرى فودة. خالد متماسك لكن يسرى الدموع فى عينيه تكاد تنفجر وشعرت وكأنه فقد أباه. سأل عنى لكونى آخر من تحدث إليه، وآخر من التقاه حياً وميتاً، بعد دقائق تحرك الموكب الجنائزى الذى يحمل الجسد الذى أرهقته الصحافة.. وعذبته الكتابة.. حتى وصلنا إلى مسجد عمر مكرم بميدان التحرير وسط القاهرة، كان أغلب تلاميذه وأصدقائه قد وصلوا إلى المسجد، صلاة العصر أقيمت وبعدها صلاة الجنازة، كنت أنا فى ذلك الوقت لم أنم منذ 48 ساعة من القلق والخوف والإرهاق، ولم أعد قادراً حتى على الكلام، قال لى يسرى فودة:” لا تسافر مع الجنازة التى ستذهب إلى مسقط رأسه فى محافظة الدقهلية، حتى نجهز معاً لإقامة سرادق عزاء يليق بكاتبنا الكبير”.. ثم قال: “خالد صلاح سيتولى الإعداد لذلك فى مسجد الحامدية الشاذلية بشارع جامعة الدول العربية بحى المهندسين” قلت له بصوت غير مسموع: حاضر.

“ولا يعرف فى الدنيا صباح
إلا فى الوطن المنصور
أزرع كل الأرض مقاومة
ترمى فى كل الأرض جدور”

(القاهرة – ميدان التحرير )
أمام مسجد عمر مكرم وبجوار سيارة نقل الموتى وقفت أنتظر خروجه الأخير من القاهرة ومن الحياة. يسلم علىَّ البعض فلا أسمع سلامهم، يكلمنى البعض فلا أسمع كلامهم، كنت فقط أسمع صوتاً بداخلى يقول لى: أنا محمود عوض الكاتب والإنسان.. هو الآن فى طريقه إلى السماء كعريس أحب هذا الوطن ودافع عن الأرض والعرض والحياة والإنسانية، فلم يحقد على أحد- رغم أن الكثير حقد عليه – لم يهاجم أحداً – رغم أن الكثير هاجمه وبشدة – لم يتزوج ولم ينجب ولدا، لكن له من الأبناء فى مهنة الصحافة العشرات بل المئات ممن علمهم وساعدهم ووقف بجوارهم.

” الأرض بتتكلم عربى .. وقول الله
إن الفجر لمن صلاه
ما تطولش معاك الآه
الأرض بتتكلم عربي”

(ميدان التحرير – مسجد عمر مكرم)
الآن.. يخرج نعشه أمامى.. محمولاً على الأعناق. ويتجه إلى السيارة أنا أقف بجوارها.. يدى عليها، أنظر فى عيون المشيعين، أسمع همساتهم وكلماتهم عنه، هم يتحدثون على أنه مات وأنا.. أنا فقط الذى يرى أنه لا يزال حياً، الذى يعيش بمبدأ لا يموت. الذى يرسخ لفكرة الكرامة الشخصية والمهنية كشجر كافور راسخة وثابتة لا يموت. الذى لا يهادن السلطة ولا يبيع أفكاره أو يهين مشواره المهنى.. لا يموت. الذى لا يترك طريق الحق ليمشى عليه الباطل.. لا يموت. الذى يحب الخير والجمال والصدق.. لا يموت. الذي يؤمن بأن الأرض ( بتتكلم عربي) لا يموت… والذى كان يعرف محمود عوض من كتاباته يعرف أنه ما زال حياً ولم يمت!..

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »