تفاصيل بيع حقوق نشر نجيب محفوظ

0

كتب فرحات غنيم

كشف الناقد الكبير مصطفى عبد الله في تحقيق بعنوان “نجيب محفوظ في المزاد”
نشر بعدد هذا الأسبوع من جريدة “القاهرة” الغراء التي يرأس تحريرها الكاتب الكبير عماد الغزالي.. يقول..

منذ يومين اتصل بي أحد الناشرين المصريين، ودون مقدمات سألني: ماذا تعرف عن خلفيات المزاد المفتوح الآن لبيع حقوق نشر أعمال نجيب محفوظ، فابنته “هدى” لن تجدد عقد السنوات العشرين الذي وقعه الأستاذ نجيب مع “دار الشروق” في عام 2002، فما كان مني سوى أن أكملت: وكان ذلك مقابل مليون جنيه نقلت بها حقوق الأستاذ نجيب محفوظ من “مكتبة مصر” إلى “دار الشروق”، بعد أن عرض المجمع الثقافي في أبوظبي أن يصبح هو ناشر نجيب محفوظ.
ولكن ارتفاع بعض الأصوات بأنه من المعيب أن تنتقل حقوق محفوظ إلى خارج مصر، شجع الوسطاء على إقناع “الشروق” بأن تشتري هذه الحقوق التي تنتهي بالفعل في العام المقبل 2022.
ثم عاد هذا الناشر الذي هاتفني ليقول لي إن العجيب في الأمر أن ابنة نجيب محفوظ باعت حقوق النشر الإلكتروني لإحدى دور النشر مقابل 6 مليون جنيه، أما حقوق النشر الورقي فهي لا تزال معروضة لمن يدفع أكثر، والغريب أن دور النشر الكبرى: “الشروق”، و”المصرية اللبنانية”، و”نهضة مصر”، و”الكرمة” أيضًا لم تقدم عروضها، وهذا يؤكد ما يشاع من أن المتنافسين هم دور النشر الأصغر.
فقلت له من الطبيعي بالنسبة لي أن تكون الدار التي أخذت حقوق النشر الإلكتروني لأعمال نجيب محفوظ هي دار كلمات هنداوي، لأنني قبل نحو خمس سنوات دعيت لغذاء عمل مع “هدى” ومحاميها “محمد عمار” بفندق فور سيزون جاردن سيتي، وكانت مُضيفتنا هي الدكتورة نجوى عبدالمطلب، رئيس مجلس أمناء مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، بمناسبة تدشين موقع إلكتروني يتيح للقارئ في أي مكان مقالات نجيب محفوظ رقميًا على شبكة الإنترنت، وقد كانت الدعوة موجهة أيضًا للأديب يوسف القعيد.
ولا زلت أذكر أن جملة واحدة مني كنت قد توجهت بها إلى مضيفتنا تسببت في إخراج الست “هدى” عن صمتها لتنفي ما أشرت إليه من أن هناك فضلًا لقسم النشر بالجامعة الأمريكية على انتشار ترجمات محفوظ في العالم، فقالت هي ومحاميها، في “نَفَس” واحد:
“الدور الحقيقي لدار نشر الجامعة الأمريكية بالقاهرة بدأ مع الوالد بعد حصوله على نوبل، وليس قبله، فقد انتبه المترجمون الأوروبيون إلى أهمية روايات نجيب محفوظ منذ وقت مبكر، وكانوا يأتون ويلتقون به مباشرة قبل أن تدخل الجامعة الأمريكية علي الخط، ويمكنني القول إن جائزة نوبل في حيثيات منحها لوالدي أشارت إلى روايات بعينها لم تكن ترجماتها صادرة عن دار نشر الجامعة الأمريكية.
وللعلم والدي كان يعتقد أن الترجمة الفرنسية للثلاثية، التي صدرت في عام 1984 هي التي رجحت كفة فوزه عام 1988بجائزة نوبل التي ظل مرشحًا لنيلها زمنًا طويلًا.
ثم أردفت قائلة: أذكر أن السيدة “جاكلين كنيدي”، التي كانت تعمل مع دار النشر العالمية الشهيرة “دابل داي” قرأت هذه الترجمة الفرنسية للثلاثية، فأعجبت بها وطلبت أن تحضر إلى القاهرة لتوقع مع والدي عقد ترجمتها إلى الإنجليزية ونشرها عن هذه الدار العالمية، لكن التزام والدي بالعقود المبرمة سلفًا معه أضاع عليه هذه الفرصة الذهبية!
وتعود ابنة محفوظ لتقول لي: إذا شئنا الإنصاف، فيمكننا القول إن الفضل يعود للجامعة الأمريكية في حمايته من القرصنة، وتنظيم تعاملاته مع العالم مما انعكس على زيادة عدد رواياته التي ترجمت إلى لغات حية كثيرة.
أما الأعمال التي ترجمت ونشرت من خلالها باعتبارها وكيله الأدبي، فلم تكن ذات أهمية كبيرة!
وتضيف “هدى محفوظ”:
ولن أنكر مواقف طيبة للجامعة الأمريكية كعرضها على والدي الحصول على الدكتوراه الفخرية قبل أن تنتبه جامعة القاهرة إلى ذلك بزمن، ولكنه لم يرحب كثيرًا بهذا العرض، في حين أنه استجاب، على الفور، لدعوة جامعة القاهرة التي تخرج فيها.
وأجدني أقول لها: ولكن الأستاذ نجيب كان كلما سئل عن أسباب موافقته على أن تصبح الجامعة الأمريكية وكيله الأدبي رد بدبلوماسية، ولم يقدم إجابة شافية، ويبدو أنه كان يتحمل دائمًا مسئولية العهد الذي قطعه على نفسه، وهذا يفسر لنا سر وفائه لأسرة السحار ولمكتبة مصر التي يرجع إليها الفضل في شهرته لدى القارئ العربي.
وهنا ينحو الحوار منحى آخر، بمجرد أن تقول هدى: أنا كنت موظفة في الجامعة الأمريكية، وأعرف جيدًا تاريخ قسم النشر فيها، وكيف كان، قبل فوز أبي بنوبل، مجرد مكتب صغير في المبني الذي يضم الآن المكتبة الجديدة المطلة على ميدان التحرير، ولم يكن أحد يعرف شيئًا عن قسم النشر هذا إلى أن فاز أبي بنوبل فحرَّك الدنيا.
وأذكر أن يوسف القعيد سألها: وما هي طبيعة علاقتكم الآن بالجامعة الأمريكية؟
فاكتفت بالرد بكلمة واحدة فقط:
سيئة!
ومن جديد أبادر بسؤال: هل ساءت علاقتكم مع قسم النشر بها بعد رحيل مديره “مارك لينز”، وتقاعد مساعِدته “نبيلة عقل”؟
فتجيب:
لا.. لا.. فالمسألة تعود إلى ما قبل ذلك؛ فـ”مارك لينز” كان يعتبر نجيب محفوظ مجرد فرصة لتحقيق ربح مادي ونجاح شخصي له في مصر، وصيغة العقود التي أعدها، ووقع عليها والدي أوقعتنا، بعد رحيله، في مشكلات كثيرة.
**
أعود إلى صديقي الناشر الذي هاتفني عساه يجد عندي ما يشفي غليله، لأقول له من منبري هذا: كان من الطبيعي أن توقع ابنة محفوظ الآن هذا العقد مع “مؤسسة هنداوي” التي كانت قد وقعت معها أول عقد نشر إلكتروني بعد رحيل والدها، وكان طبيعيًا أيضًا ألا تتحمس واحدة من دور النشر العملاقة في مصر لشراء حقوق النشر الورقي؛ لأن “هنداوي” ستطرح كتب محفوظ مجانًا للقراءة والتحميل من خلال موقعها، تمامًا كما سبق وفعلت مع مقالاته، ومن قبله مقالات طه حسين وغيرهما.
فحسابات الناشرين الذين سيغامرون بدفع الملايين الأخرى تجعلهم يبتعدون عن هذا المزاد، وفي تقديري أن المسألة ربما تكون من نصيب ” آل ديوان” الذين يسعون إلى توسيع دائرة نشاطهم بتأسيس دار نشر فضلًا عن بيع كتب الغير، ومن هنا يكون مناسبًا أن يدفعوا الملايين السبعة المطلوبة للحصول على حقوق نشر كتب محفوظ حصريًا والتفرغ لترويجها باعتبارها باكورة عناوينهم وأهمها بالتأكيد.
ويبقى سؤال مهم هو: هل ستنجح “ديوان”- إذا ما رسي عليها العطاء – في توسيع دائرة اهتمام القارئ العربي بكتب محفوظ حتى لا تظل عشرة منها فقط هي “العشرة الطيبة”.. أقصد “الرائجة” والباقي تباع بالزق؟”

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »