مسيرة الأعلام بين التأصيل التاريخى والواقع القريب

0

 

بقلم / نور حلمى

تنطلق سنويًا مسيرة استفزازية بمنطقة “باب العامود” بالقدس الشريف، وتسمى هذه المسيرة بـ “مسيرة الأعلام”! فمن هو مؤسس فكرة المسيرة؟ وما هى الأسباب والأهداف ورائها؟ ولماذا تنطلق من تلك النقطة الجغرافية تحديدًا؟ وما هو موقف أعضاء الكنيست من المسيرة؟

أولاً: إطلالة تاريخية عن باب العامود 

(أ) تاريخ التشييد خلال العصور المختلفة

يرجع بناء باب العامود إلى القرن الأول الميلادى، حيث يذكر المؤرخ اليهودى “يوسيفوس” أنه قد تم بناؤه فى عصر “أغريباس الأول” (10ق.م – 44م)، وهو حفيد “هيرودس الأول” (74 ق.م – 4 ق.م)، وقد حكم هؤلاء جزءً من فلسطين تحت لواء الإمبراطورية الرومانية. وقد تم ذكر “هيرودس” فى سفر “أعمال الرسل” الإصحاح رقم 12، وقد قام “أغريبا” ببناء سور جديد بالجهة الشمالية للقدس بين عامى (40-41م)، ثم قام  الإمبراطور الرومانى”تيتوس” بتدمير مدينة القدس عام (70م)، وفى فترة حكم “هادريان” والتى امتدت خلال الأعوام (117-138م) قام ببناء ثلاث بوابات متجاورة، وكانت البوابة الوسطى هى نواة “باب العامود”. ثم أعاد بناؤه مرة أخرى وعلى طراز معمارى أكثر فخامة السلطان العثمانى “سليمان القانونى” عام (1538م) وظل على هيئته تلك حتى الآن.

ساحة باب العامود – أرشيفية

(ب) سبب التسمية وبيان أهميته

والجدير بالذكر أن سبب تسمية باب العامود ترجع إلى بناء “هادريان” مدينته الجديدة المسماه “إيليا كابيتولينا” على أنقاض مدينة القدس الشريف، ثم شيد عمودًا شاهقًا من الجرانيت الأسود يبلغ طوله حوالى 14 مترًا، احتفالاً بمرور 21 عامًا على اعتلائه الحكم، ولم يكتفِ بحرمان اليهود من دخول المدينة فقط، بل حرم عليهم مجرد الاقتراب منها والنظر إليها كما هو موثق تاريخيًا.

تظهر أهمية باب العامود من حيث كونه المدخل الرئيسى للمسجد الأقصى وحائط البراق وكنيسة القيامة، فهو يمثل شريان البلدة؛ حيث يؤدى إلى سوق “خان الزيت” التجارى وهو المؤدى بدوره إلى عدة أسواق أخرى مثل سوق العطارين وسوق القطانين وسوق الصاغة وغيرها، ترجع تسميته بهذا الاسم نسبةً إلى عمود الجرانيت الضخم الذى أتينا على ذكره سابقًا، ويسمى باب العامود أيضًا بـ “باب نابلس” حيث يقع على الطريق المؤدى إليها، ويسمى أيضًا “باب دمشق” حيث كانت القوافل تخرج منه متجهة إلى دمشق.

خريطة توضيحية لأبواب القدس الشريف، ويرمز رقم (4) لباب العامود الذى يقطع البلدة من الشمال إلى الجنوب – أرشيفية

ثانيًا: من هو المستوطن “يهودا حزاني” صاحب فكرة مسيرة الأعلام؟

ينتمى “يهودا حزانى” _أحد رموز تيار الصهيونية الدينية_ إلى الرعيل الأول من جيل المؤسسين لحركة “جوش إيمونيم”، والتى تأسست عام 1974م على يد الحاخام المتطرف “موشيه ليفنجر”، وهى حركة تمزج بين الدين والسياسة بشكل واضح، كما تعتمد فى تنظيمها الداخلى وتحركاتها على الأرض على قدر كبير من السرية، لذلك نجد تحركاتها بشكل مفاجئ، سواء قيام أعضائها بمهاجمة الفلسطينيين، أو هجوم مجموعة من المستوطنين على منطقة بعينها فى شكل جماعات بعد استصدار أحكام قضائية من حكومة الاحتلال تسمح لها بالاستيلاء على المنازل والأراضى عنوةً.

 وتتلخص أفكار حركة “جوش إيمونيم” المتطرفة فى النقاط التالية:-

  • الدعوة إلى الاستيطان فى الضفة الغربية وقطاع غزة.
  • هدم المسجد الأقصى؛ بهدف إقامة الهيكل _المزعوم_ على أنقاضه.
  • طرد جميع العرب من جميع أرجاء فلسطين بالقوة، ويعتبرون التهاون بذلك مخالفة صريحة للدين.

المستوطن “يهودا حزانى” مؤسس فكرة “مسيرة الأعلام” – أرشيفية

 

وقد ظهر نشاط “حزانى” فى العمل على استقطاب شباب اليهود بالولايات المتحدة الأمريكية للخدمة بجيش الاحتلال، وتنشئتهم على مبادئ الفكر الاستيطانى، وتدريبهم على الامتثال لأوامر حاخامات الصهيونية الدينية، ومن أبرز أنشطته التأسيس لفكرة “مسيرة الأعلام” التى تجوب البلدة القديمة فى أجواء استفزازية للسكان الأصليين، حاملين الأعلام الإسرائيلية، بالإضافة إلى أداء رقصاتهم مع ترديد الهتافات التى تتضمن سب وإهانة الفلسطينيين، والإشارة باليد واللفظ لطردهم من القدس، ويتطاولون بالأيدى على كل من هو عربى، ولا يقف الأمر إلى هذا الحد، بل وترديد الهتافات التى تحتوى على سب الإسلام ونبيه الكريم، ويتعرضون بالإيذاء لأصحاب المحال التجارية، والمارة من الفلسطينيين، مع ترديد هتافات على شاكلة:

هتافات يرددها تيار الصهيونية الدينية أثناء مسيرة الأعلام

ويتضح مما سبق الحملة الممنهجة التى يتبعها أتباع “حزانى” فى تضييق الخناق على السكان الأصليين عن طريق إيذاء مقدساتهم الدينية عن طريق سب النبى الكريم، والإيذاء الإثنى عن طريق ترديد الهتافات العدائية التى تدعو لإبادة العرب، مرورًا بالإيذاء المادى الإقتصادى، والخسائر التى يتكبدها أصحاب المحال التجارية والمارة من تدمير ممتلكاتهم على أراضيهم فى نطاق القدس الشرقية، والتى أقر المجتمع الدولى بأحقيتها كعاصمة للدولة الفلسطينية وفقًا لحدود عام 1967م، وعلى الرغم من وفاة “حزانى” عام 1992م، إلا أنهم استمروا فى إطلاق “مسيرة الأعلام” بشكلٍ سنوى، إيمانًا بفكره، وتخليدًا لذكراه.

ثالثًا: علاقة التيار اليمينى بمسيرة الأعلام

إيتمار بي جاڤير نموذجًا

 (أ) من هو النائب الإسرائيلى إيتمار بن جاڤير؟ وما هو موقفه من المسيرة؟

بدأ إيتمار بن جاڤير نشاطه السياسى ببلوغه سن التاسعة عشر، وله محطات ومواقف عديدة حتى يومنا هذا تُشير إلى مدى تطرفه واعتناقه لأفكار هدامة منها إبادة الفلسطينيين، وهدم المسجد الأقصى الشريف، وقتل العرب، بل وقتل غيره من اليهود أنفسهم الذين يخالفون آرائه، وليس أدل على ذلك من رفعه رقم سيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك “إسحاق رابين” بعد إمضاء اتفاقية “أوسلو”، معبرًا بذلك عن قدرته على الوصول إليه والنيل منه، وصرح بذلك بالفعل، تعبيرًا على اعتراضه على الإتفاقية، لأن إيتمار وجماعته لايؤمنون بأى تفاوض مع الجانب الفلسطينى، وبعد واقعة رفع رقم السيارة تلك تم اغتيال “رابين” بالفعل على يد متطرف يهودى.

درس “ بن جاڤير” القانون، وبات محاميًا يتولى الدفاع عن المتطرفين وعن نفسه أيضًا؛ حيث وجه إليه القضاء الإسرائيلى تهمة “الحض على الكراهية” مرات عديدة، وقد تولى فى عام 2006م الدفاع عن متطرف قد استهدف منزلاً لأسرة فلسطينية فى الضفة الغربية، وأسفر ذلك عن حرق الأسرة بالكامل. وانتقض العديد من الكتاب فى صحف مختلفة أفعاله التحريضية، ويعبر بعض أعضاء الكنيست المنتمين إلى تيار الوسط عن رفضهم لمواقفه عن طريق ترك القاعة أثناء إعطاء بن جافير الكلمة للتحدث والتعبير عن أفكاره تلك. وقد اتهمه أيضًا “شبتاى” مسؤول الشرطة الإسرائيلية بالتحريض على أعمال العنف وعدم استقرار الأمن بسبب تحريضه لأتباعه من حركة “لاهافا” لترديد هتافات (الموت للعرب) وغيرها.

 (ب) جذور خطاب بن جاڤير

استقى بن جاڤير هذا التوجه العنصرى الذى تمت الإشارة إليه بالفقرة السابقة من الحاخام “مائير كهانا” الذى كان ينتهج خطابًا أكثر حدة وصلافة من بن جاڤير، وقد تم اغتيال “كهانا” عام 1990م، وتم حل حزبه بتهمة ممارسة الإرهاب والعنصرية، ولكن أفكاره لازالت تسرى بين أتباعه ومناصريه حتى الآن وعلى رأس قائمة من يتبنى أفكاره وممارساته هو “ بن جاڤير”، وعلى الرغم من محاولات الأخير فى تخفيف حدة خطاباته المعادية للعرب والشعب الفلسطينى بأكمله مقارنةً بـ”كهانا” إلا أنه تم توجيه العديد من التهم له أمام المحاكم تتنوع ما بين نشر الكراهية والتحريض على العنف.

وقد تولى بن جاڤير مهمة تأسيس العديد من الأحزاب الصغيرة التى تنتمى لليمين المتطرف، ومحاولة الزج بها فى الكنيست منذ أكثر من عشرين عامًا، كما استهدف الشريحة العمرية التى تنتمى إلى طلاب المدارس الدينية بوصفها الأكثر طواعية لتقبل الأيديولوجية الكهانية، والأقدر على تنفيذ ممارساتها ضد الشعب الفلسطينى تحت مظلة الأحزاب الدينية اليمينية، وعلى مرأى ومسمع من شرطة الاحتلال دون التعرض لهم فى غالب الأحيان، كما استعان بن جاڤير فى تنفيذ تلك الأمور برئيس الوزراء السابق “بنيامين نتنياهو” والذى استفاد بدوره كثيرًا من وجود تلك الأحزاب التى نجح فى الحصول على شعبية كبيرة، وحشد انتخابى واضح من أتباعها.

رابعًا: جماعة “جوش إيمونيم” تتبنى توجهات جماعة “أمناء الهيكل” تجاه الأقصى

نشأت العديد من الحركات السياسية والجماعات الدينية التى يرتبط اسم الهيكل بها؛ تعبيرًا عن أيديولوجيات تلك الجماعات من هدفهم الأكبر، ألا وهو إعادة بناء الهيكل، وتأتى جماعة “أمناء الهيكل” على رأس هذه التكتلات، فهى الأقدم من حيث التأسيس ومن حيث الترويج الفاعل لهذا الحلم الذى يجمع لدى معتنقيه ما بين القداسة الدينية، والزعامة السياسية.

ونستطيع القول أن جماعة “جوش إيمونيم” _التى ينتمى إليها مؤسس فكرة “مسيرة الأعلام”_ ما هى إلا حركة وليدة نبتت من أفكار جماعة أقدم نسبيًا، وهى جماعة “أمناء الهيكل”(بالعبرية: נאמני הר הבית)، وهى حركة يمينية أرثوذكسية اتخذت من القدس مقرًا لها، ولها فرع بالولايات المتحدة الأمريكية، تم تأسيسها عام 1967م على يد “جرشون سلومون” وهو أحد ضباط المظلات الذين احتلوا مدينة القدس الشريف بالعام نفسه، ثم تخصص بعد ذلك فى دراسات الشرق أوسط.

وأخطر ما يميز جماعة “أمناء الهيكل” هو علاقتها المباشرة بالصهيونية المسيحية _خاصةً بالولايات المتحدة الأمريكية_ حيث استطاع حاخامات “أمناء الهيكل” الربط بين فكرة المسيح المنتظر، ومجىء المخلص ضمن إطار الرؤية اليهودية والمسيحية؛ لتوحيد أهدافهم من أجل بناء الهيكل على أنقاض قبة الصخرة.

خامسًا: الخاتمة والتوصيات

تهدف مسيرة الأعلام إلى تهويد القدس الشرقية؛ تنفيذًا لأطماع تيار الصهيونية الدينية فى الاستحواذ على القدس كاملةً كعاصمة لدولة إسرائيل _المزعومة_ فى محاولة للربط بين العنصر الدينى والتاريخى والأثرى للخروج بنتيجة واحدة، ألا وهى أن القدس كانت عاصمة أنبياء وملوك بنى إسرائيل وحدهم دون غيرهم من الأمم والشعوب، على الرغم من فشل جميع البعثات الأثرية التى تكونت من كبار علماء الآثار من عدة دول أوروبية من العثور على أية حفريات قد تُثبت وجود الهيكل فى محيط المسجد الأقصى أو وجوده من الأساس على أى رقعة من أرض فلسطين حتى الآن.

تكمن خطورة مسيرة الأعلام، والتى يجدر تسميتها “مسيرة الأطفال” _نظرًا لكون العدد الأكبر من المشاركين بها هم من أطفال المدارس الدينية دون سن البلوغ_ فى كونها تعمل على تنشئة الأطفال والمراهقين على الكراهية والتحريض على العنف، وترديد هتافات القتل والترويع،بل وسب الأغيار _أتباع الديانات الأخرى_ والنيل من مقدسات الآخر وتدنيسها، وبالنظر إلى المستقبل القريب واستشراف القادم يتضح جليًا أنه من المحتمل وقوع عدد من الاغتيالات والتصفيات الجسدية سواء للعرب والفلسطينيين المقيمين بالداخل أو حتى عناصر من تيار الوسط أو اليسار الإسرائيلى من أعضاء الكنيست الذين ينادون بفكرة حل الدولتين _وفقًا للأيديولوجية الإسرائيلية فحسب_ أو حتى من يرفع شعار التفاوض السلمى بين الطرفين، كما حدث من قبل من اغتيال “رابين” كما وضحتُ سابقًا.

يجب على المجتمع الدولى إدانة تلك الانتهاكات الصارخة التى تتعارض مع مبادىء حقوق الإنسان وحرية المعتقد التى تكفلها القوانين والأعراف، كما يجب على المؤسسات العلمية والمراكز البحثية ضرورة التنديد بتلك الممارسات من خلال المنصات الإعلامية، وعملاً بمبدأ “لا يفل الحديد إلا الحديد” أرى ضرورة تنفيذ الخطوات التالية، وسرعة إدخالها حيز التنفيذ بما يتناسب مع الأوضاع الأمنية للبلاد:-

  • إصدار عدد خاص بتاريخ القدس الشريف؛ بهدف إدراجه بالمناهج التعليمية للمراحل التعليمية الأساسية، مع التأكيد على مبادىء حرية المعتقد، وأهمية العيش السلمى، والسماحة بين أتباع الديانات الأخرى؛ لتأسيس النشء على تلك القيم الاجتماعية التى هى بمثابة ضمانة للسلم المجتمعى، كما يعمل ذلك أيضًا على مواجهة الممارسات المتطرفة بالفكر القويم.
  • دعم الوجود العربى والإسلامى داخل ساحات الأقصى، وتنظيم رحلات دينية للصلاة بالمسجد الأقصى الشريف، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، تأكيدًا على الوجود العربى والإسلامى داخله؛ لمواجهة مسيرات أتباع الصهيونية الدينية التى تحرص على طمس المعلم العربى والإسلامى هناك فى محاولة لتهويد القدس، وطرد سكانها الأصليين.
  • الانتباه لتأمين مخيمات اللاجئين، خاصة بعد تلويح بعض أفراد مسيرة الأعلام الأخيرة التى جرت أحداثها فى يونيو 2021م، والذى هدد بأن النكبة القادمة هى فى مخيمات اللاجئين؛ لبث الذعر فى النفوس بالأساس، ولكن القيام بعمليات التصفية والاغتيالات ليست ببعيدة عن ذلك التيار المتطرف، كما وضحت تفصيلاً سابقًا.

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »