محمد عبد القادر يكتب.. فوزي فهمي .. التمايز والتميز

0

 

بقلم د. محمد عبد القادر

برحيل د. فوزي فهمي جسديا يكتمل رحيل جيل من رجال الثقافة ارتبطت أسماؤهم بالجمع بين الثقافة الرفيعة والقدرة الفذة علي ادارة الصروح والفاعليات الثقافية، هؤلاء الأساتذة حملوا علي عاتقهم أن يبنوا مؤسسات الدولة لا ان تبنيهم هذه المؤسسات. وقد رحلوا تاركين خلفهم علما وانجازا وابداعا بينما آخرون يرحلون وقد حصلوا لانفسهم علي كل شئ فلم يتركوا خلفهم شيئاً.

اختار د.فوزي فهمي ان يعيش في الظل، يؤدي واجبه بعيدا عن صخب الاعلام، ولم يكن الظل عنده مرادفا للموات فالرجل كان حضورا جارفا في الحياة الثقافية المصرية والعربية، ويكفي ان نراجع المواقع العربية التي نعته مثقفا ومسرحيا صنع جسرا من التواصل بين المسرحيين العرب والغربيين.

وربما يظن البعض ان انجاز د.فوزي فهمي في المجال المؤسسي يتقدم ما سواه، لكن الشواهد تدحض هذا الظن، فقد عاش الرجل حياة فكرية سار فيها التطبيق في اثر النظرية، ويعلم كل من عملوا معه ان الرجل كان يدير الصروح التي تولي مسئوليتها وفقا لرؤيته التي وصل اليها ككاتب يعلم جسامة مسئولية الكاتب ودوره في تشكيل وعي المجتمع. وقد كانت هذه ميزته الفريدة، تضاف الي ميزة أخري كانت لديه وهي ذاكرته القوية، فقد كان الرجل لا ينسي تكليفا يصدره الي أي من مرؤوسيه، فيظل يتابع تقدم التنفيذ حتي الاكتمال، كما لم يكن ينسي كتابا تمت ترجمته ضمن مشروع اصدارات التجريبي فكان يتابع مقترحات الترجمة ويقارن بينها وبين ما سبق ترجمته ويقوم باستبعاد ما تشابه حرصا علي ما هو جديد ومختلف.

وكشأن كل عظيم فقد حاول الكثيرون الاقتداء به – وهذا مطلوب- وحاول غيرهم تقليده فلاحقهم الفشل وكانوا بسلوكهم هذا دليل علي رؤيته الثاقبة للتمايز والتميز، وسأبدأ بالأولي والتي ضمتها دراسته التي قدمها للمهرجان التجريبي عام 1998 وفيها ينكر “فكرة الحفاظ علي النقاء الثقافي كحماية للتمايز والخصوصية الثقافية في مواجهة تيار التفاعل والانفتاح واكتساب القدرات” و يبني دفاعه عن التمايز الثقافي بوصفه “لا ينفي التفاعل مع الثقافات الأخري” مذكراً بأن “المجتمعات علي خريطة العالم منذ فجر التاريخ لم تتطور في معزل عن بعضها البعض” وان “الثقافة العربية الاسلامية تفاعلت مع عناصر من الثقافات الفارسية واليونانية والهندية والصينية وغيرها” كما ان “الثقافة الاوروبية في عصر النهضة تفاعلت مع عناصر من ثقافات عربية ويونانية ورومانية وصينية وهندية، أي انه ليس هناك من ثقافة حية تتمتع بالنقاء البحت”

ولم يكن تبني الرجل لـ “التمايز الثقافي” نابعا فقط من حرصه علي التواصل مع الثقافات الأخري ولكن لأن “التمايز الثقافي بقابليته للتجدد والتفاعل هو في ذاته المناعة الحقيقية التي تواجه الاقصاء والهيمنة والتآكل والاستلاب. فالتمايز الثقافي لا يعني النفي وانما يعني الاختلاف، ولا يعني التشرنق والانكفاء علي الذات وانما يعني الاصغاء المتبادل وحق الآخر في التفرد”

وقد مثلت رؤيته هذه استشرافا لما سيقع بعد عامين من هذه الدراسة من أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجمات شرسة علي كل ما هو عربي أو مسلم, وأمام ذلك تمسك الرجل بـمجتمع التميز والكفاءة فـ “هو القادر من جهة علي مواجهة التحديات والاكراهات الخارجية، حيث لا يقف متفرجا علي المتغيرات العالمية، ومن جهة أخري يرسخ داخليا فكرة العدالة الاجتماعية التي تعني ضمان تكافؤ الفرص واحترام القدرة والكفاءة”

ويشرع المفكر الكبير في وضع ارتكازات مشروع مجتمع التميز والكفاءة “علي منهج يسعي الي خلق استجابة ايجابية تتجه الي القضاء علي الممارسات الطفيلية وحماية المواهب وتكثيف المنافسة وتعزيز آليات المحاسبة والشفافية وتنامي مجالات الاتصالات والمعلومات والتقنيات، وفاعلية المنظومة التربوية التي تحمي بناء مجتمع الابتكار والابداع”

لم يكن د.فوزي فهمي يكتفي باستخدام المصطلحات بل كان يقوم بتمحيصها في وقت غامت فيه الرؤية وتعثرت فيه تسمية الأشياء بمسمياتها، فها هو يزيل “الفهم الملتبس لمعني التميز الذي يكسب البعض احساسا زائفا بالتميز، فاذا كان الفهم الملتبس يؤدي الي الجنوح الخطر، كحالة الشاب الوسيم في رواية أوسكار وايلد “صورة دوريان جراي” فان ممارسة “المودة” في أحد جوانبها تشبع فكرة التميز الذي يتخطي الجنوح الخطر ولا تقود الي الاغتراب الاجتماعي، فهي تجمع بين رغبة التجمع ورغبة الانفراد”

ولا يترك مفكرنا مفهوم “المودة” دون تمحيصه هو الآخر حتي لا يؤدي الي مجرد “اشباع عاطفي لا يخضع لمنطق العقل”.

لقد رحل العالم الجليل ورجل الثقافة المقتدر د.فوزي فهمي، رحل بجسده فقط ولكن بقت أفكاره نبراساً لنا ولأجيال تأتي من بعدنا تؤمن بأن التمايز الثقافي والتميز المجتمعي هما دعامتا التقدم.

 

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Translate »